المقالات

القيادة الأكاديمية… نقل الخبرات لصناعة قادة الجامعات

تُعد القيادة الأكاديمية من أهم الركائز التي تقوم عليها نهضة الجامعات وتطورها؛ فالجامعة لا ترتقي بمبانيها وتجهيزاتها وحدها، وإنما ترتقي قبل ذلك بكفاءة قياداتها وقدرتهم على اتخاذ القرار، واستثمار الموارد، وتطوير البحث العلمي، وتحسين مخرجات التعليم، وربطها باحتياجات سوق العمل.

ومن هنا تبرز أهمية مركز القيادة الأكاديمية التابع لوزارة التعليم، والذي كانت تتولى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الإشراف عليه وتنسيق برامجه. وقد استهدف المركز تطوير وتأهيل القيادات الأكاديمية، من مديري الجامعات والوكلاء والعمداء ورؤساء الأقسام، بما يسهم في رفع كفاءتهم ودعم مسيرة التطوير في الجامعات السعودية.

وكان المركز ينظم ورش العمل والدورات التدريبية المتقدمة في مجالات القيادة الأكاديمية والتخطيط الاستراتيجي وغيرها من الموضوعات التي يحتاج إليها القائد الجامعي في أداء مسؤولياته. ولم تكن برامجه قائمة على الجانب النظري وحده، بل أتاحت فرصة ثمينة للاطلاع على تجارب جامعات عالمية عريقة.

فقد كان يلقي المحاضرات في المركز عدد من مديري الجامعات التي تصدرت التصنيفات العالمية، مثل أكسفورد وديوك وهارفرد وستانفورد وغيرها من الجامعات المرموقة. وكان كل منهم ينقل جانبًا من تجربته في إدارة الجامعة؛ فمنهم من يتحدث عن تنمية الموارد الذاتية للجامعات والهبات والأوقاف، ومنهم من يعرض تجربته في الارتقاء بالبحث العلمي، وآخر يتناول الابتكار وبراءات الاختراع، بينما يتحدث غيره عن تطوير المناهج ومواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل.

وهذه التجارب لا ينبغي أن تبقى مجرد محاضرات عابرة، لأن الخبرة المتراكمة ثروة مؤسسية لا تقل أهمية عن الموارد المالية والتجهيزات. فالقائد الجديد يستطيع أن يختصر سنوات من التجربة والخطأ عندما يستمع إلى قائد سبقه، ويطّلع على القرارات التي اتخذها، والتحديات التي واجهها، والحلول التي أثبتت نجاحها أو لم تحقق النتائج المرجوة.

ومن المفيد، في هذا السياق، إعادة تشغيل هذا المركز وتطوير برامجه، وإتاحة مساحة أكبر للاستفادة من الخبرات السعودية أيضًا؛ ولا سيما أولئك المديرين الذين قادوا جامعاتهم وحققوا فيها تطورًا ملموسًا، ليقدموا خلاصة تجاربهم لرؤساء الجامعات السعودية الجدد. فالتجربة المحلية، حين توثق وتُناقش وتُنقل، تصبح مدرسة مفتوحة للأجيال الجديدة من القيادات.

إن نقل الخبرات بين القيادات الجامعية لا يعني استنساخ تجربة جامعة من جامعة أخرى، فلكل جامعة ظروفها وأولوياتها وبيئتها، وإنما يعني الاستفادة من الدروس المستخلصة، ومعرفة ما نجح وما تعثر، ثم تكييف هذه الخبرات بما يناسب احتياجات الجامعة وظروفها. وبهذا يتحول انتقال القيادة من مجرد انتقال للمسؤولية إلى انتقال للمعرفة أيضًا.

ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذا المعنى: «تجارب الأولين مرآة للآخرين». فالأمم والمؤسسات التي تحفظ خبراتها وتتيح للأجيال الجديدة الاستفادة منها، لا تبدأ في كل مرة من الصفر، بل تبني حاضرها على ما راكمه السابقون من معرفة وتجربة.

إن الجامعات السعودية اليوم أمام فرص واسعة للتطوير والمنافسة العالمية، ومن أهم ما يعينها على ذلك الاستثمار في الإنسان، وبناء القيادات القادرة على قيادة التحول. وإعادة تفعيل مركز متخصص في القيادة الأكاديمية، يجمع بين الخبرة العالمية والتجربة السعودية، يمكن أن تكون خطوة مهمة في إعداد جيل جديد من القادة الجامعيين، قادر على مواصلة التطوير، وتحويل التجارب المتراكمة إلى إنجازات جديدة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى