لم تكن زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا في الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أغسطس 2026 زيارة بروتوكولية عابرة، ولم تكن مجرد محطة جديدة في سجل العلاقات السعودية الفرنسية الممتدة منذ قرن، بل جاءت في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية لتؤكد أن المملكة باتت تتحرك وفق رؤية استراتيجية لا تسمح للأزمات بأن تختزل خياراتها، ولا تجعل الإضطرابات الإقليمية تعطل مشروعها التنموي أو تحد من قدرتها على بناء الشراكات الدولية.
فالسياسة السعودية الجديدة تقوم على معادلة واضحة : حماية المصالح الوطنية، وتوسيع شبكة الشراكات، وتحويل الثقل السياسي والإقتصادي للمملكة إلى قوة فاعلة في صناعة الإستقرار والتنمية. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس .
•من العلاقات التاريخية إلى الشراكة المؤسسية
تكتسب الزيارة دلالة إضافية لكونها تتزامن مع مرور مئة عام على إقامة العلاقات السياسية بين المملكة وفرنسا. غير أن الأهم من التاريخ هو الإنتقال بالعلاقة من التعاون التقليدي إلى شراكة استراتيجية مؤسسية.
وقد تجسد ذلك في ترؤس ولي العهد والرئيس إيمانويل ماكرون الإجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي الفرنسي، وهو تطور مهم لأنه ينقل العلاقات من دائرة الزيارات والإتفاقيات المنفردة إلى إطار دائم يربط السياسة بالإقتصاد والدفاع والتقنية والإستثمار والثقافة.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الزيارة : بناء آلية قادرة على إنتاج مشاريع ومصالح مشتركة تمتد لسنوات وعقود، بدلاً من اقتصار العلاقات على استحقاقات مرحلية.
الإقتصاد بوصفه جسراً استراتيجياً
اقتصادياً، حملت الزيارة رسائل تتجاوز الأرقام ذاتها. فقد شهدت الطاولة المستديرة للإستثمار السعودي الفرنسي الإعلان عن أكثر من 22 اتفاقية ومذكرة تفاهم، شملت قطاعات الطاقة والصناعة والخدمات المالية والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والثقافة والسياحة والذكاء الإصطناعي.
ومن أبرز المشروعات مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة القدية للإستثمار لإستكشاف تطوير وجهة عالمية متعددة الإستخدامات في منطقة سيرجي بونتواز الفرنسية، باستثمار يصل إلى نحو 6 مليارات يورو، وبمشروع يتوقع الجانب الفرنسي أن يسهم في إيجاد نحو 22 ألف فرصة عمل .
وهذه الخطوة ذات دلالة اقتصادية وسياسية معاً. فالمملكة التي تستقطب الإستثمارات الدولية لتنفيذ رؤية 2030 أصبحت في الوقت نفسه مصدراً لرأس المال والإستثمار والتنمية في اقتصادات دول مجموعة السبع، ومنها فرنسا.
وفي الاتجاه الآخر، جرى الإتفاق على إنشاء إطار مالي لدعم المشاريع التي تنفذها الشركات الفرنسية داخل المملكة، وتوقيع بيان لإنشاء خط ائتماني تصل قيمته الأولية إلى 5 مليارات دولار لتمويل وإعادة تمويل عقود الشركات الفرنسية في مشاريع مرتبطة بالبنية التحتية والتطوير الحضري والنقل والصحة.
كما أعلنت أرامكو السعودية اتفاقيات مع شركات فرنسية تجاوزت قيمتها 3.7 مليارات دولار، بما يعكس انتقال التعاون من التبادل التجاري التقليدي إلى بناء سلاسل قيمة ومشروعات صناعية وتقنية طويلة الأمد .
إنها، باختصار، علاقة ذات اتجاهين : استثمار سعودي في فرنسا، واستثمار وخبرة وتقنية فرنسية في المملكة. وهذه هي الصيغة الأكثر استدامة للشراكات الدولية، لأنها تجعل مصالح البلدين متداخلة ومتصلة بالنمو والوظائف والتقنية والإستثمار .
•الأمن والدفاع.. شراكة تتجاوز صفقات التسليح
أما في المجال الأمني والدفاعي، فقد حملت الزيارة بعداً استراتيجياً واضحاً. فالبلدان لم يكتفيا بالتأكيد على التعاون الدفاعي القائم، وإنما اتجها نحو تطوير التعاون في التقنيات العسكرية الحديثة والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتدريب والتعليم العسكري .
وهذا مهم بالنسبة للمملكة في إطار مشروعها الأشمل لبناء قدرات وطنية وتوطين الصناعات والتقنيات الدفاعية، بحيث تتحول الشراكة العسكرية مع الدول الكبرى تدريجياً من علاقة مورد ومشترٍ إلى علاقة تقوم على التقنية والخبرة وبناء القدرات والمصالح المتبادلة .
وفي المقابل، تنظر فرنسا إلى السعودية باعتبارها شريكاً محورياً في أمن الخليج والشرق الأوسط وأمن الطاقة والممرات البحرية، وهي ملفات تتجاوز حدود المنطقة إلى الأمن الإقتصادي الأوروبي والعالمي.
الرياض وباريس.. تقارب في قراءة أزمات المنطقة
سياسياً، أظهرت الزيارة مساحة واسعة من التوافق بين البلدين. فقد أكد الجانبان أن استقرار الشرق الأوسط ينبغي أن يقوم على سيادة الدول واحترام القانون الدولي والحلول السياسية والدبلوماسية.
وفي الملف الإيراني، أكد البلدان ضرورة الحل التفاوضي لتجنب مزيد من التصعيد وضمان أمن المنطقة، وشددا على ضرورة أن يكون البرنامج النووي الإيراني سلمياً، مع عودة طهران إلى التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي واحد من أهم الملفات بالنسبة للمملكة والإقتصاد العالمي، أدان البلدان الإعتداءات على السفن في مضيق هرمز والتهديدات الموجهة للممرات المائية، وطالبا بعودة الملاحة في المضيق إلى وضعها الطبيعي وضمان حرية العبور دون رسوم أو قيود مباشرة أو غير مباشرة .
كما ظهر التقارب السعودي الفرنسي في القضية الفلسطينية ولبنان واليمن، مع التأكيد على حل الدولتين ورفض تقويض حق الشعب الفلسطيني في دولته، ودعم مؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها، ومساندة الجهود الرامية إلى حل شامل في اليمن، وإدانة استهداف الحوثيين للمنشآت المدنية والحيوية في المملكة واعتداءاتهم على السفن.
وهذه المواقف تكشف أن العلاقة السعودية الفرنسية لم تعد قائمة على الإقتصاد والدفاع فحسب، بل أصبحت منصة للتنسيق بشأن ملفات الأمن الإقليمي وصناعة الإستقرار .
عندما راهن البعض على الأزمة.. راهنت الرياض على المستقبل
ولعل أهم ما تحمله الزيارة من رسالة سياسية أنها جاءت في وقت تمر فيه منطقة الخليج والشرق الأوسط بظروف أمنية وجيوسياسية معقدة .
كان من الممكن، وفق القراءة التقليدية، أن تدفع مثل هذه الأزمات الدول إلى الإنكفاء وإعادة ترتيب أولوياتها الداخلية وتأجيل مشروعاتها الإقتصادية. وربما راهن البعض على أن التطورات الإقليمية ستضغط على المملكة وتؤثر في مسارها التنموي أو تقلص قدرتها على الحركة الدولية ، لكن ما حدث كان العكس .
ففي الوقت الذي تتعامل فيه الرياض مع تحديات الأمن الإقليمي، كانت تفتح في باريس نافذة واسعة للإستثمار والتقنية والصناعة والدفاع والثقافة والذكاء الإصطناعي .
وهنا تظهر فلسفة الأمير محمد بن سلمان في إدارة الدولة : الأمن لا يكون بديلاً عن التنمية، والتنمية لا تنتظر انتهاء الأزمات .
فالدولة القادرة لا تسمح للأزمة بأن ترسم مستقبلها، وإنما تدير الأزمة في مسار، وتبني المستقبل في مسار آخر، وتربط الإثنين ضمن رؤية واحدة للمصلحة الوطنية .
فرنسا شريك مهم.. وليست بديلاً عن الآخرين
والأهم أن تعميق الشراكة مع فرنسا لا يأتي على حساب علاقات المملكة مع شركائها الآخرين.
فالسياسة السعودية لا تقوم على الإنتقال من محور دولي إلى محور آخر، وإنما على تنويع الشراكات الإستراتيجية والحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا والصين والقوى الآسيوية والعربية والإسلامية وغيرها، وفق المصالح الوطنية للمملكة .
ومن هنا فإن الإنفتاح على فرنسا، وهي قوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن وإحدى أكبر القوى الإقتصادية والعسكرية في أوروبا، يضيف بعداً جديداً لشبكة العلاقات السعودية، ولا يستبدل شريكاً بشريك .
وهذا التنوع يمنح القرار السعودي مساحة أوسع للحركة ويقلل الإعتماد على مسار دولي واحد، ويعزز قدرة المملكة على العمل مع قوى متعددة في ملفات الأمن والطاقة والإستثمار والتقنية والتنمية .
• شراكة للمستقبل لا للحظة الراهنة
ولعل تمديد الشراكة السعودية الفرنسية في العلا حتى عام 2035، والتعاون في إكسبو الرياض 2030، والذكاء الإصطناعي والحوسبة الكمية والتقنيات الناشئة، يكشف بوضوح أن ما يجري بناؤه يتجاوز حسابات الأزمة الراهنة .
إنها علاقة تتجه نحو المستقبل.
فالأمير محمد بن سلمان لا ينظر إلى العلاقات الدولية بوصفها صوراً دبلوماسية أو بيانات سياسية، بل بوصفها أدوات لبناء القوة الوطنية : استثمارات، وتقنية، ووظائف، وصناعة، ودفاع، ومعرفة، وأسواق، وشراكات.
وفي المقابل، أصبحت المملكة نفسها قادرة على تقديم قيمة استراتيجية لشركائها ، فهي سوق كبرى، ومركز للطاقة، وقوة استثمارية، وموقع جغرافي يربط ثلاث قارات، ودولة تقود واحداً من أكبر برامج التحول الإقتصادي في العالم.
المملكة التي تبني وسط العاصفة
يمكن اختصار الرسالة الكبرى لزيارة باريس في أن المملكة لا تنتظر هدوء المنطقة لكي تبني مستقبلها.
فبينما ينشغل الشرق الأوسط بأزمات أمنية وجيوسياسية متلاحقة، تتحرك الرياض في مسارين متوازيين: مسار يحمي الأمن والسيادة والمصالح الوطنية، ومسار يبني اقتصاد المستقبل ويؤسس لشبكة دولية واسعة من المصالح والشراكات .
وهذه ربما إحدى أهم سمات السياسة السعودية في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان “حفظهم الله ” : إدارة الحاضر بكل تحدياته، من دون السماح له بأن يصادر المستقبل بكل أمنياته .
ومن باريس، جاءت الرسالة واضحة : المملكة ليست دولة تنتظر ما ستؤول إليه التحولات الدولية والإقليمية، بل دولة تشارك في تشكيلها، وتحول علاقاتها السياسية إلى شراكات اقتصادية، وشراكاتها الإقتصادية إلى مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
ولذلك فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا يمكن النظر إليها باعتبارها أبعد من زيارة دولة ناجحة؛ إنها محطة في مشروع سعودي أوسع لبناء دولة قوية اقتصادياً، مؤثرة سياسياً، آمنة استراتيجياً، متعددة الشراكات، وقادرة على مواصلة طريق البناء والإزدهار حتى في أكثر الأزمنة الإقليمية اضطراباً .
• الكاتب والباحث في العلاقات الدولية



