المقالات

ملتقياتنا.. والتاريخ الذي لم نكتبه بعد

عدتُ من مدينة صلالة بعد حضور الملتقى العلمي الخامس والعشرين لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي عُقد في سلطنة عُمان خلال الفترة من 24 إلى 26 أغسطس 2026م، محمّلة بالامتنان لسلطنة عُمان على ما أحاطت به ضيوف الملتقى من حفاوة و كرم ضيافة، وبالتقدير للقائمين على تنظيمه واللجان العاملة فيه، لما بذلوه من جهد في جمع نخبة من الباحثين والمتخصصين في التاريخ والآثار من دول الخليج في فضاء علمي واحد.

ولا شك أن استمرار هذه الملتقيات وانتظامها يمثل قيمة علمية ومهنية مهمة؛ فهي تجدد الصلات بين الباحثين، وتتيح تبادل المعرفة والخبرات، وتعرّف بما يُنجز في جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية. غير أن قيمة التجارب العلمية الراسخة لا تكمن في استمرارها فحسب، وإنما في قدرتها على مراجعة نفسها وتطوير أدواتها وأهدافها من دورة إلى أخرى.

ومن هنا يلحّ عليّ سؤال يتجدد كلما حضرت ملتقى علميًا: ماذا نريد من الورقة التي تُقدَّم في ملتقى للمتخصصين؟
هل نريد أن نسمع ما نعرفه بصياغات جديدة؟ أم نريد من الباحث أن يأخذنا إلى مساحة لم نعرفها بعد، أو يعيدنا إلى قضية ظننا أننا عرفناها، ليقول لنا إن فيها ما يستحق إعادة النظر؟
في التاريخ والآثار مساحات واسعة لم تُطرق بعد، وثغرات معرفية تنتظر من يلتفت إليها، وقضايا شائكة لا تزال تحتمل أكثر من وجه في قراءتها وتفسيرها. وهناك أيضًا آراء وفرضيات انتقلت بين الدراسات حتى كادت تتحول، بفعل التكرار، إلى مسلّمات، مع أنها ربما لم تخضع للمراجعة الكافية في ضوء ما تكشفه الوثائق والنقوش والمسوحات والتنقيبات والاكتشافات الأثرية الجديدة.
هذا، في تقديري، هو الميدان الذي ينبغي أن تتجه إليه ملتقيات المتخصصين.
نحتاج إلى أوراق تبدأ من سؤال لا من موضوع، ومن إشكالية لا من رغبة في استعراض المادة. أوراق تسأل: ما الذي أغفلته الدراسات السابقة؟ ما الذي لا نعرفه حتى الآن؟ لماذا استقر هذا التفسير؟ وهل الأدلة التي قام عليها كافية؟ وهل يمكن للنص أو النقش أو الشاهد الأثري نفسه أن يحتمل قراءة أخرى؟
بل إن بعضًا من أكثر الأوراق العلمية إثارة قد يكون تلك التي لا تقدم إجابة نهائية، وإنما تقدم فرضية مؤسسة على قرائن، ثم تضعها أمام المتخصصين للنقاش. فالملتقى العلمي ليس المكان الذي يأتي إليه الباحث ليعلن نهاية السؤال، بل قد يكون المكان الأنسب لبدئه.
والاختلاف هنا ليس مأخذًا على البحث، وإنما أحد مظاهر حيويته. فما قيمة اجتماع مؤرخين وآثاريين ونقشيين ومتخصصين من مدارس وتجارب مختلفة إذا لم نضع أمامهم قضايا تحتمل تعدد الرؤى؟ وما الذي يميز اللقاء العلمي الحي عن قراءة مجموعة من البحوث المنشورة، إذا كان كل باحث يعرض ورقته ثم يمضي دون أن تتيح الجلسة وقتًا كافيًا لمساءلة ما طرحه؟
فالتاريخ الذي لم نكتبه بعد قد يكون مختبئًا في وثيقة أُهملت، أو نقش قُرئ ولم تُستنفد دلالاته، أو موقع أثري لم يُستنطق بما يكفي، أو لُقية صغيرة تعيد ترتيب فهمنا لمشهد أكبر. وقد يبدأ كذلك من إعادة مساءلة رواية تاريخية مستقرة حين يقدم الدليل الأثري ما يدعو إلى مراجعتها. هنا يلتقي عمل المؤرخ والأثري؛ فكلاهما، بأدواته ومصادره، يسهم في إعادة بناء معرفتنا بالماضي.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الدراسات الوصفية أو جمع المادة وتصنيفها، فهذه من أسس البحث التاريخي والأثري، ولا يستغني عنها الباحث. لكن السؤال يتعلق بأولوية العرض في ملتقى متخصص، حيث يجتمع عدد من أهل الاختصاص في مكان واحد ولوقت محدود. أليس الأولى بهذه المساحة أن تُمنح للبحث الذي يفتح بابًا لم يُفتح، أو يعالج ثغرة، أو يراجع رأيًا، أو يطرح قضية تستحق أن يختلف حولها المتخصصون؟
ومن هنا تأتي ملاحظة أخرى ترتبط بالأولى: كثرة الأوراق المقدمة في الجلسات. فحين يزدحم البرنامج بالأوراق، يصبح اختصار زمن العرض ضرورة تنظيمية، ثم يدفع النقاش ثمن ذلك الازدحام. وقد نجد أنفسنا أمام ملتقى ثري بعدد عناوينه، لكنه لم يمنح بعضها ما يكفي من الوقت لتتحول من «ورقة مقدمة» إلى قضية علمية مشتركة.

ولعلنا لهذا بحاجة إلى إعادة التفكير في معيار نجاح الملتقى. ليس السؤال: كم ورقة قدمنا؟ وإنما: كم ثغرة كشفنا؟ كم سؤالًا جديدًا طرحنا؟ كم قضية أعدنا فتحها؟ وكم فرضية وضعت على طاولة المتخصصين فاختُبرت ونوقشت وربما عُدلت أو رُفضت أو فتحت الطريق أمام بحث جديد؟

وهنا يمكن أن يكون للجنة العلمية دور يتجاوز استقبال الأوراق وتحكيمها إلى صناعة أجندة علمية للملتقى؛ بأن ترصد القضايا التي تحتاج إلى مزيد من البحث في تاريخ المنطقة وآثارها، والثغرات التي ما زالت قائمة، والمسائل المختلف عليها، ثم تخصص لها جلسات تستقطب باحثين يقدمون قراءات وفرضيات مختلفة، مع منح الحوار والمناقشة مساحة تليق بهما.

فليس ضروريًا أن تضم الجلسة أكبر عدد ممكن من الأوراق؛ قد تكون ثلاث أوراق حول إشكالية واحدة، يعقبها نقاش علمي عميق، أكثر أثرًا من عدد كبير من الأوراق المتتابعة التي لا يملك الحاضرون بعد سماعها إلا دقائق معدودة للتعقيب.

إن الجهود التي تبذلها جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون في جمع الباحثين والمحافظة على استمرارية ملتقاها تستحق التقدير، ولعل استثمار هذا النجاح يكون بالانتقال خطوة أخرى: من كثرة الأوراق إلى نوعيتها، ومن سرد المعرفة إلى مساءلتها، ومن تقديم الإجابات إلى صناعة الأسئلة.

فليس أجمل ما نخرج به من ملتقى علمي أن نعرف أكثر فحسب، بل أن ندرك أيضًا كم بقي أمامنا مما لا نعرفه.

ذلك هو التاريخ الذي لم نكتبه بعد

أ.د فتحية بنت حسين عقاب

استاذة التاريخ القديم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى