المقال الثاني من سلسلة «هندسة البلد الآمن»
بعد نشر مقالي الأول، وصلتني ردود حملت معاني مختلفة. بعضها عبّر عن الفخر بما تفعله المملكة، وبعضها تساءل عن حقيقة ما رأيناه، ووصل الشك لدى آخرين إلى احتمال أن نكون قابلنا ضباطًا يرتدون زي النزلاء. تركت الردود في ذهني سؤالًا واحدًا: ماذا سأرى إذا عدت بمساحة أكبر للحركة والحديث؟
كانت الزيارة الأولى، على بساطتها وعفويتها، ذات طابع رسمي بمعية معالي الأستاذ إحسان بن عباس بافقيه أمين محافظة جدة، وأصحاب المعالي والمسؤولين في رئاسة أمن الدولة، والدكتور خالد باطرفي. أما الثانية فكانت مخصصة لي وللدكتور خالد وحدنا بعد أسبوع. وصادفنا خلالها ممثلين لسفارات أوروبية في زيارة لرعاياهم. جلسنا بين النزلاء، ولعبنا معهم تنس الطاولة والبلياردو والبلوت، وتابعنا مشاريعهم، وتجولنا في المرافق، وعدنا إلى المسرح لنرى ما تغير خلال سبعة أيام.
وفي هذا الوقت سمعت مصطلحًا لم أتوقع أن يخرج من حديث عن السجون. كنت أسأل سعادة المقدم عن مؤهلات هؤلاء الرجال وخبراتهم، وعن الدعم النفسي الذي قد يحتاجونه، فقال: «نحن نعمل بأثر الفراشة».
شرح لي أن تغيرًا بالغ الصغر في نقطة ما قد يمتد عبر سلسلة من التفاعلات، ليظهر أثره الكبير في مكان وزمن آخرين. عرفت لاحقًا أن المفهوم خرج من أعمال إدوارد لورينز حول حساسية الأنظمة المعقدة لشروطها الابتدائية، وقد سمعته أول مرة من رجل يعيشه ميدانيًا قبل أن أعود إليه في الكتب.
سألته عن أصعب ما يواجهونه، فقال إن أصعب ما في العمل أن يدخل النزيل وهو يحمل قناعة راسخة بصواب موقفه. التحدي في هذا النوع من القضايا يبدأ من الفكرة التي سبقت السلوك وصنعته. الأبواب تضبط الحركة، والقناعة تحتاج طريقًا يصل إلى العقل.
نحن في الجامعات نستقبل طلابًا جاؤوا طلبًا للعلم، فنضيف
معرفة إلى استعداد موجود لديهم أصلًا. وهؤلاء يتعاملون مع إنسان قد تكون قناعاته جزءًا من المسار الذي انتهى به خلف الأسوار، ومهمتهم أن يعملوا في المسافة الدقيقة بين الفكرة والقرار والسلوك. أمام هذه المهمة استصغرت شيئًا من عملي أنا.
وسألت: كيف يعرفون من أين يبدأون مع كل نزيل؟
أطلعني المسؤولون على الاستمارة التي يبدأ بها العمل منذ اليوم الأول. يجلس المختصون مع النزيل، وتُدرس حالته وقضيته وخلفيته وتعليمه ومهنته وخبراته ومهاراته واهتماماته. بدت أمامي ورقة إدارية، ثم اتضح أنها أول محاولة لقراءة الإنسان الذي وصل إلى المكان.
فالذي يملك حسًا بصريًا يجد نفسه في التصميم وإخراج المجلات الدورية. وصاحب الموهبة الفنية يجد مساحة في الأعمال الفنية. ومن يحمل أذنًا موسيقية يدخل عالم الموسيقى والإنتاج الصوتي. وآخر يتعلم صناعة العطور أو القهوة، أو يعمل في البقالة، أو يتحمل مسؤولية نشاط من الأنشطة.

ورأيت ذلك أمامي. طبيب جراح يقف خلف القهوة ويشرح لنا «قهوة طويق» بثقة باريستا أتقن هوايته، وخريج لغات يجلس إلى البيانو يعزف أغنيات إنجليزية بإتقان ويستعرض طبقات صوته. القضية حدث في سيرة الإنسان، والسيرة أوسع؛ تحمل علمًا ومهنة وموهبة وعلاقات وقدرات.
ومن بين ما يخرج من هذه الجدران هدايا صغيرة تحمل توقيع أصحابها.
بعض الرسامين يرسمون صورة المسؤول الزائر ويهدونها له، فتبقى ملامحه التي رسمها نزيل عالقة في ذهنه أكثر مما تبقى معلقة على جدار. قطعة فخار شكّلتها أصابع تعلّمت الحرفة هنا تصل إلى بيت لا يعرف أهله اسم من صنعها، وعطر صيغ داخل هذه الأسوار يحمل رائحته إلى مكان بعيد عن مصدره. لا أحد من هؤلاء يوقّع باسمه الكامل، ومع ذلك يعبر أثر أيديهم البوابة قبلهم.
وفي نادي الموسيقى عزف أمامنا نزلاء بدأ بعضهم تعلم آلته من الصفر داخل السجن. يبدأ العازف بتعلم آلته، ثم تأتي مرحلة أخرى: أن يسمع من بجانبه، ويعرف متى يدخل، ومتى ينتظر، وكيف يضبط صوته داخل المجموعة. وفي النهاية تخرج المقطوعة منسجمة.
تأملت المشهد ووجدته أكبر من الموسيقى. فالإنسان داخل المجموعة يتعلم أن إتقانه الفردي وحده لا يصنع النتيجة؛ عليه أن يسمع الآخرين، ويضبط توقيته، ويتحمل مسؤوليته عن المخرج المشترك. وهي مهارات يحتاجها المجتمع من أي فرد يعود إليه.
وامتدت هذه الفلسفة إلى هوية المكان نفسه. في القصيم تحضر التمور وما يرتبط بها من خبرات، وفي الأحساء تحضر الحرف التي تشكلت عبر تاريخ المنطقة، وفي ذهبان رأيت جدة حاضرة في التفاصيل الفنية: رواشين تتكرر زخرفتها في الأعمال التشكيلية، وديكورات تستعيد ملامح جدة القديمة على جدران تحولت إلى لوحات.
سألت عن رمضان، فعرفت أن لياليه تحمل شيئًا من عادات أهل المنطقة: جلسات بعد التراويح، وأطباق شعبية كالبليلة، وأجواء تستعيد إيقاع الشهر كما يعرفه الناس خارج الأسوار. الحرفة والعادة والمكان هنا تحمل معنى يتجاوز النشاط؛ إنها خيوط تبقي الإنسان متصلًا بالمجتمع الذي سيعود إليه.
لفتتني ألوان المكان. درجات فاتحة، وأثاث يميل إلى البيج، ومساحات نظيفة ببساطة شديدة. وبعد جولتين بدأت أقرأ النظافة نفسها باعتبارها رسالة. النظافة المستمرة تحتاج انضباطًا مستمرًا، والعناية بالتفاصيل تكشف ثقافة المكان أكثر مما تكشفها الكلمات.
والأهم كان البشر.
دخلت وفي ذهني شيء من صورة «السجّان» التي صنعتها الأفلام: وجه عابس، يد غليظة، عين مترصدة، ولسان شديد. وجدت مسؤولًا بشوشًا، يتحدث مع النزيل بعفوية، ويرد عليه النزيل بالأريحية نفسها. شاهدت العلاقة في الممرات، وأثناء الأنشطة، وفي لحظات عابرة يصعب ترتيبها مسبقًا.
الاحترام نفسه تدخل صغير. الابتسامة تدخل صغير. أن تنادي إنسانًا بطريقة تحفظ كرامته، وأن تستمع إليه، وأن تمنحه مسؤولية، وأن تبقي أسرته قريبة؛ كلها تفاصيل محدودة في لحظتها. تراكمها عبر الأيام والسنوات هو الذي يصنع البيئة التي يمكن أن تتغير داخلها فكرة.
وفي قسم النساء رأيت المعنى نفسه. في قسم الرجال مغسلة مركزية، وفي قسم النساء مساحة تغسل فيها النزيلة ثيابها وتكويها بنفسها. دخلت صالون العناية المخصص لهن، ورأيت الاهتمام باستعداد النزيلات للقاء أسرهن وأزواجهن. الإنسان هنا يبقى ابنًا وأبًا وزوجًا، والمرأة تبقى ابنة وأمًا وزوجة، وهذه العلاقات ستستقبلهم يوم العودة.
وشاهدت تسجيلًا لزيارة أسرية حديثة. آباء وأمهات دخلوا ليروا بأنفسهم أين يعيش أبناؤهم، وكيف يقضون أيامهم، وكيف يعاملون. خرجوا بصورة صنعتها أعينهم، ومعها طمأنينة يحملونها إلى بيوتهم.
وفي يوم من أيام الأهالي سمعت ما تجاوز الطمأنينة. بعض الآباء تمنى أن ينضم إلى أسرته نزيل آخر أصبح قريبًا من ابنهم كالأخ، لما رأوه من أثر الصحبة، ولما حملوه من أمل في إصلاح فلذة كبدهم. الأسرة التي جاءت تطمئن على ابنها بدأت ترى حولها أشخاصًا آخرين يستحقون فرصة العودة أيضًا.
ورأيت أثر ذلك في النزلاء أنفسهم. بعضهم يدير نشاطًا، وبعضهم يمارس تخصصه، وبعضهم اكتشف هواية جديدة، وبعضهم يعمل على مشروع سيعرض في مناسبة وطنية. سمعت في زيارتي الأولى نزيلًا يصف بلاده بعبارة «وطن طموح»، ثم عدت بعد أسبوع لأرى نزلاء يعملون لمناسبات وطنهم من المساحة المتاحة لهم. ووعدناهم أنا والدكتور خالد باطرفي أن نعود لمشاركتهم بعض مناسباتهم في اليوم الوطني ويوم التأسيس.
وسألت عن لحظة الخروج نفسها. وصفها لي أحد المسؤولين بصورة بقيت معي: يوم الإفراج يحمل مشاعر تشبه وداع قريب يسافر إلى مكان بعيد؛ دعاء وفرح وقلق من الطريق القادم. سنوات من العلاقة المهنية والإنسانية تصل في تلك اللحظة إلى البوابة، ثم تنتقل المسؤولية بدرجة أكبر إلى الإنسان وأسرته ومجتمعه.
رجل الأعمال الذي يفتح فرصة تدريب يشارك في الإصلاح. صاحب المصنع الذي ينقل حرفة يشارك فيه. صاحب المتجر الذي يمنح فرصة عمل بعد الإفراج يدخل في الحلقة نفسها. وقد تكون وظيفة واحدة من أقوى التفاصيل في السلسلة كلها: وظيفة تولد دخلًا ومسؤولية، والمسؤولية تبني استقرارًا، والاستقرار يحمي أسرة.
وسلامة هذا الطريق مسؤولية مشتركة، كما في الحديث الشريف عن قوم استهموا سفينة، فكان من في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، ولو تركوهم يخرقون نصيبهم هلكوا جميعًا. الإنسان العائد من ذهبان يعود إلى سفينة نتشاركها كلنا؛ جامعي وتاجر ورب أسرة وجار، وسلامته من سلامتنا.
يبقى سؤال يستحق القياس: ماذا يعني نجاح رحلة الإصلاح بعد سنة أو خمس سنوات من الخروج؟ الاستقرار الأسري؟ التعليم؟ العمل؟ الاستمرار فيه؟ المشاركة في المجتمع؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تحوّل ما رأيناه من معنى جميل إلى معرفة تستطيع المنظومة أن تتعلم منها وتطور نفسها.
ثم وصلت إلى أكثر ما بقي معي من الزيارة الثانية: رجال قلما يعرف المجتمع أسماءهم.
قابلت ضباط المباحث وأفرادها. طبيعة عملهم تبقي أسماء كثير منهم وصورهم بعيدة عن الناس، وقد يُعرف الرجل برقم أكثر مما يُعرف باسمه.
وسألت سعادة المقدم عما يأخذه هذا العمل منهم شخصيًا. أجاب بصدق: بعض النزلاء يحتاجون وقتًا أطول، وساعات العمل تمتد معهم، والوقت الإضافي يأتي غالبًا من نصيب أبنائهم وذويهم. الرجل الذي يمنح نزيلًا ساعة إضافية لمراجعة فكرة قد يعود إلى بيته وقد نام أبناؤه.
أثر صغير في حياة نزيل قد تكون كلفته أثرًا صغيرًا آخر في حياة أسرة الضابط. وراء كل ساعة إضافية يقدمها إنسان لإنسان، هناك من منحه تلك الساعة من حياته أيضًا.
فكرت في الجندي الذي يقف على ثغرة في الحد الجنوبي. نرى موقعه وندرك صورة الخطر الذي يواجهه. وفي ذهبان يقف رجال على ثغرة أخرى؛ خطرها فكرة تتسلل إلى عقل شاب، تعيد تعريف الوطن في وعيه، وتغير فهمه للدين والمجتمع والناس، ثم تنتقل من الرأس إلى الفعل. الجندي على الحدود يحرس الأرض من خطر يريد عبورها، وهؤلاء يعملون مع الإنسان بعدما عبر الخطر إلى فكره.
وقد يقضي ضابط سنوات في متابعة نزيل، ويعمل فرد في تفاصيل يومه، ثم يخرج الرجل ويعيش حياة مستقرة لعقود. سيرى المجتمع المواطن الذي عاد إلى حياته، وسيغيب عنه غالبًا الرجال الذين ساهموا في تلك العودة.
هذه طبيعة بعض الأعمال العظيمة: يظهر أثرها، ويغيب أصحابها.
وسألت نفسي: لماذا أكتب عن هذا كله؟ أكتب لأن ما رأيته يتجاوز حدود المؤسسة التي زرناها. الإنسان الذي يغادر هذه البوابة سيعود إلى أسرة وحيّ وعمل ومجتمع، ومن هنا تصبح نتيجة الإصلاح شأنًا يمسنا جميعًا.
الإخلاص يظهر في النتيجة: فكرة تغيرت، وموهبة وجدت طريقها، وإنسان عاد إلى مجتمعه. وقد يكون أفضل ما تحققه هذه المنظومة جريمة لم تقع، حادثة غابت عن سجل المستقبل.
ولهؤلاء تحديدًا حضرت في ذهني الآية الكريمة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
في زيارتي الأولى بحثت عن هندسة النظام. وفي الثانية فهمت شيئًا أعمق: النظام مهما أُحكم تصميمه، يبقى أثره مرهونًا بالإنسان الذي يمنحه الحياة كل يوم.
وفي ذهبان أدركت أن بعض الذين يصنعون أمن الوطن يشبهون أثر الفراشة نفسه: تغيب عنك أسماؤهم وصورهم، وتعيش كل يوم داخل الأثر الذي صنعوه.


