في أخبار العلماء والخلفاء صفحاتٌ لا تروي حكايةً من الماضي فحسب، بل تكشف عن معدن النفوس حين تُختبر أمام العلم والفضل. ومن أجمل تلك الحكايات ما جرى بين الإمام النحوي يحيى بن زياد الفراء والخليفة العباسي المأمون، حين تنافس ابنا الخليفة على تقديم نعلي معلمهما. موقفٌ صغير في ظاهره، عظيمٌ في دلالته؛ إذ اجتمع فيه تواضع طالب العلم، وتقدير المعلم، وفطنة الخليفة الذي رأى في حركة عابرة علامةً على أخلاقٍ راسخة.
جاء في «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي، وفي «وفيات الأعيان» لابن خلكان، في ترجمة الإمام الأديب النحوي يحيى بن زياد الديلمي، المعروف بالفراء الكوفي، المتوفى سنة 207هـ، رحمه الله تعالى، أن الخليفة العباسي المأمون كان قد عهد إليه بتعليم ابنيه اللغة العربية وعلومها من نحوٍ وصرفٍ وقواعدَ ومعانٍ. وكان الفراء من أعلام العربية، حتى قال ابن الأنباري: «لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من النحاة إلا الكسائي والفراء لكفى»، وقال بعضهم: «الفراء أمير المؤمنين في النحو».
وفي يومٍ من الأيام، أراد الفراء أن ينهض لبعض حاجاته، فابتدر ابنا المأمون إلى نعليه يريد كل واحد منهما أن يقدمهما إليه. فتنازعا أيهما يبدأ، ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما فردة، ففعلا.
وكان للمأمون صاحبُ خبرٍ على ما يجري في قصره، فبلغه الخبر، فاستدعى الفراء. فلما دخل عليه قال له المأمون: «من أعز الناس؟» فقال الفراء: «ما أعرف أحدًا أعز من أمير المؤمنين». فقال المأمون: «بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين، حتى رضي كل واحد منهما أن يقدم له فردة».
فقال الفراء: «يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما من ذلك، ولكني خشيت أن أدفعهما عن مكرمةٍ سبقا إليها، وأن أكسر نفوسهما عن شريفةٍ حرصا عليها. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أمسك للحسن والحسين رضي الله عنهما ركابيهما حتى خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما؟ فقال: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل».
فقال له المأمون: «لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لومًا وعتبًا، وألزمتك ذنبًا، وما وضع ما فعلاه من شرفهما، بل رفع من قدرهما، وبيّن عن جوهرهما. ولقد ثبتت لي مخيلة الفراسة بفعلهما». ثم قال: «فليس يكبر الرجل، وإن كان كبيرًا، عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ووالده، ومعلمه العلم». ثم عوّض ابنيه على ما فعلاه عشرين ألف دينار، وأعطى الفراء عشرة آلاف درهم على حسن أدبه لهما.
وهكذا بقيت الحكاية أبعد من موقفٍ عابر بين عالمٍ وتلميذين؛ فقد كشفت أن العلم لا يرفع صاحبه إلا إذا اقترن بالأدب، وأن مكانة المعلم لا تكتمل بكثرة ما يقال فيه، بل بما يغرسه في نفوس طلابه من توقيرٍ للعلم وأهله. كما أن التواضع، حين يصدر عن صاحب مكانة، لا ينقص من قدره، وإنما يزيده رفعةً وجمالًا. ولعل أبلغ ما في القصة أن المأمون لم يرَ في تقديم النعلين حركةً بسيطة، بل قرأ فيها ملامح مستقبلٍ أخلاقي، فعرف من خلالها جوهرَ ابنيه، وقدّر في الفراء حسن تربيته وأدبه. فكم من موقفٍ صغير يكشف معدنًا كبيرًا، وكم من انحناءةٍ أمام أهل العلم ترفع صاحبها في أعين الناس قبل أن ترفعه في ميزان التاريخ.

