كثيرون يعتقدون أن الترجمة، أيا كان نوعها، تحريرية أو شفاهية، ليست إلا نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بينما هي في حقيقتها نقل معانٍ ومفاهيم من ثقافة إلى أخرى، تختلف عنها في اللغة والعادات والتصورات وأنماط التفكير. ومن هنا تبدأ معضلة المترجم، إذ لا يكفي أن يعرف ماذا تعني الكلمة في اللغة المنقول منها، بل عليه أن يعرف ماذا يمكن أن تعني في ذهن المتلقي في اللغة المنقول إليها (اللغة الهدف).
شخصيا، خضت غمار الترجمة التحريرية فترجمت عددا من الكتب و مارست الترجمة الفورية بشقيها التتبعي والفوري في ما لا يقل عن 1200 ساعة في العقود الماضية، ومن خلال هذه التجربة الطويلة ،أدركت أن مهمة المترجم، ولا سيما حين يتعامل مع الجوانب الثقافية والدينية، أصعب بكثير من مجرد العثور على مقابل لغوي للكلمة أو العبارة. فالكلمة قد تكون واضحة في لغتها الأولى، لكنها حين تعبر إلى لغة أخرى قد تحمل معها دلالات لا وجود لها في الثقافة المنقول إليها، وقد تفقد في الطريق شيئا من معناها، أو تكتسب معنى آخر لم يكن مقصودا أصلا..وهنا لا يكون المترجم مجرد ناقل وإنما يصبح وسيطا بين ثقافتين، عليه أن يعرف ما تقوله العبارة وما يقصده قائلها وأن يدرك في الوقت ذاته كيف ستُفهم في الثقافة الأخرى.
أما في الترجمة الفورية، فالأمر أكثر صعوبة بكثير، ويمكنني من خلال تجربتي أن أؤكد إلى أن بوث الترجمة هو منصة إما نجاح المترجم أو فشله؛ ففيه لا يُعطى المترجم فرصة للتوقف طويلا بحثا عن المقابل اللغوي ولا وقتا للعودة إلى المعجم ليتحقق من معنى كلمة. الكلمة والجملة تأتيه في لحظتها وعليه أن يفهمها ويحلل سياقها ويستحضر مقابلها المناسب لغويا وثقافيا، ثم ينقلها إلى اللغة الأخرى خلال ثوانٍ معدودة. ومن هنا فإن المترجم الفوري يحتاج إلى تمكن جيد من اللغتين وثقافتهما وإلى سرعة بديهة وحضور ذهني وثراء مفرداتي وقدرة على التقاط المعنى من سياقه لا من الكلمة وحدها.
ولا تقف صعوبات الترجمة الفورية عند هذا الحد، فالمؤتمرات العلمية والدولية تضع المترجم أمام تحدٍ آخر يتعلق بطبيعة المحتوى نفسه. فإذا كان المؤتمر، مثلا، طبيا، فقد يجد المترجم الذي لم يتخصص في هذا المجال صعوبة بالغة في استحضار المصطلح العلمي الدقيق، حتى وإن كان متمكنا من اللغة المنقول لها. فالمعرفة اللغوية وحدها لا تكفي أحيانا لترجمة المعرفة المتخصصة.
وتزداد المهمة صعوبة حين يكون المتحدث بطبعه سريعا في الكلام، غير منتبه إلى أن ثمة مترجم يحاول نقل كل ما يسمعه عبر سماعات الرأس في اللحظة نفسها. وقد ينسى بعض المتحدثين أن المترجم الفوري لا يملك إمكانية أن يطلب من المتحدث التمهل أو إعادة الجملة كلما استعصى عليه مصطلح أو تسارعت عليه الكلمات.
ومن الصعوبات التي يواجهها المترجم الفوري أيضا هي لكنة بعض المتحدثين الذين لا تكون الإنجليزية لغتهم الأم،كالمتحدثين من بعض الدول الأسيوية . فقد تكون لغتهم الإنجليزية جيدة من الناحية التركيبية، لكن نطقهم ومخارج حروفهم متأثرة بلغتهم الأولى، الأمر الذي قد يجعل فهم كلامهم أكثر صعوبة، خصوصا عندما يتحدثون بسرعة أو يستخدمون مصطلحات تخصصية.
ومن خلال خبرتي في الترجمة الفورية، أرى أن من الصعب أن يستمر المترجم في أداء هذه المهمة لأكثر من 20 إلى 25 دقيقة متواصلة في الجلسة الواحدة، ثم يتناوب مع مترجم آخر قبل أن يستأنف دوره مرة أخرى . فالترجمة الفورية جهد لغوي شاق و استنزاف ذهني يتطلب تركيزا متواصلا ، وذلك لأن المترجم يسمع ويفهم ويحلل ويستحضر ويوجد المقابل ويصوغه ثم ينقله بلغة واضحة ومفهومة لدى المتلقي. ولعل هذا هو الفارق المهم الذي لا يراه كثيرون بين الاستماع العادي والاستماع الذي يمارسه المترجم الفوري، فالمستمع يسمع الكلام ليفهمه أما المترجم فيسمعه ليفهمه ويعيد بناءه في لغة أخرى في اللحظة ذاتها مراعيا الجوانب اللغوية والأسلوبية والثقافية في آن واحد..

