المقالات

المزج اللغوي: لماذا نستخدم مفردات أجنبية أثناء حديثنا باللغة العربية؟

يرى كثيرون أن استخدام المتحدث مفردة أو جملة من لغة أجنبية أثناء حديثه بالعربية لا يعدو كونه نوعًا من التباهي أو استعراض القدرات اللغوية، وهذا الحكم، وإن كان صحيحًا في بعض الحالات، إلا أنه ليس بالضرورة دقيقا من الناحية اللغوية العلمية؛ فالمزج اللغوي، أو كما يترجمه بعض المتخصصين “الإبدال اللغوي”، ظاهرة معروفة في علم اللغة الاجتماعي، ولها أسباب متعددة لا يمكن اختزالها في استعراض القدرات اللغوية، كما لا يمكن الإتيان عليها جميعا في هذه العجالة.

ومن حيث ترجمة هذه الظاهرة، يُلاحظ أن اللغويين يستخدمون مصطلح Code بدلًا من Language، لأن ما يحدث من مزج لا يقتصر بالضرورة على الانتقال من لغة إلى أخرى، بل قد يتعداه إلى الانتقال بين لهجتين من اللغة نفسها، كأن أتحدث بلهجة ما ثم أستخدم مفردة أو جملة من لهجة أخرى بهدف الإيضاح، أو يستخدم المتحدث مستوى لغويا معينا، ثم ينتقل إلى مستوى آخر في السياق نفسه، كأن يستخدم مفردة من الفصحى أثناء حديثه بالعامية. وقد سمعت ذلك كثيرا عند حلف بعض المتحدثين بالعامية، فيقول: (أُقْسِمُ بالله) بتشكيل مفردة (أُقْسِمُ)وكأنه يتعمد رفع مستوى اللغة ليليق بالقسم. ومن هنا جاء مصطلح «المزج بين الأكواد» ليكون أوسع من مجرد المزج بين لغتين.

ولعلي، قبل أن أدلف إلى بعض الأسباب التي يعزو إليها اللغويون حدوث هذه الظاهرة، أتوقف عند حديث جانبي دار بيني وبين زميلي أستاذ الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود، أ.د. طارق بن عبدالرحمن العودة، حول المزج بين اللغات. فقد أشار إلى شاهد من السيرة النبوية يُستأنس به على تلطف النبي ﷺ؛ إذ استعمل كلمة من لغة الحبشة في حديثه مع أَمَة بنت خالد بن سعيد بن العاص، و(كنيتها أم خالد)، وهي صحابية قرشية وُلدت في الحبشة إبّان الهجرة الأولى.فلما أُلبست خميصة، جعل النبي ﷺ ينظر إلى عَلَمها، (أي زخرفة ثوبها)، ويشير إليه ويقول: «يا أم خالد، هذا سَنا»، وجاء في الحديث تفسير «السنا» بأنه بلغة الحبشة: الحسن الجميل.
كما يعزو بعض اللغويين المزج اللغوي إلى سهولة استدعاء مفردة بعينها واستخدامها لإيصال المعنى إلى الطرف الآخر. فثنائي اللغة لا يستدعي الكلمات من لغتين منفصلتين بصورة آلية، بل قد تكون اللغتان حاضرتين في ذهنه في الوقت نفسه، فتكون كلمة في إحداهما أسرع حضورا، أو أسهل استدعاءً، أو أشد ارتباطا بالمفهوم الذي يريد إيصاله. ولهذا يستخدم الطبيب والطيار والمهندس مصطلحا إنجليزيا أثناء حديثه مع زملائه، لأن المصطلح الأجنبي أصبح جزءا من خطابهم المهني اليومي، وربما كان استدعاؤه أسهل وأدق من ترجمته في ذلك السياق. وهنا لا يكون استخدام المصطلح استعراضا للغة بقدر ما هو اختيار لما يراه المتحدث أنسب وأسهل وأسرع في إيصال المعنى.
وفي بعض الحالات يُعزى المزج اللغوي إلى التباهي فعلًا؛ فقد يستخدم المتحدث مفردة من اللغة الأجنبية لإظهار التعليم أو المكانة أو مواكبة الشخص المخاطَب، حتى وإن لم تكن هناك حاجة حقيقية إليها. لكن حتى هذا الاستعراض قد لا يكون واعيًا دائمًا؛ فقد يرى المتحدث في استخدام نمط لغوي معين الصورة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين، فيصبح استخدامه لذلك النمط جزءا من بناء صورته الاجتماعية، كأن يريد أن يُنظر إليه بوصفه ملما بلغة أجنبية أو قريبا من بيئة ثقافية معينة.

وخلاصة القول أن الحكم على كل كلمة أجنبية ترد في حديث عربي بأنها تباهٍ واستعراض للغة هو حكم -بلا شك- لايخلو من الإجحاف، إذ لابد من النظر إلى السياق اللغوي الذي نقلت فيه المفردة أو الجملة المُستخدمة وإلى المتحدث الذي قالها والمخاطَب الذي وُجهت إليه والغاية التي أدتها.

• أكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى