كنت أتأمل وأتجول بتفكيري وأنا على متن الطائر الميمون وأنظر إلى الأرض من علو.
وفي لحظات الغروب، حين تتلون السماء بألوان الشفق الأحمر، يسكن القلب وتغمره أحاسيس الهدوء.. تتنسم معاني الطمأنينة، وتغفو الروح على ملامح السكينة، باحثة عن الراحة بعد عناء يوم طويل، ويوم مضى في سعي مستمر، وبحثاً عن الأرزاق.
وأنت تحلق في الطائرة، معلقاً بين السماء والأرض، تدرك أن السفر نعمةٌ كبرى، وهبةٌ إلهية تمنحك فرصةً نادرة لرؤية العالم بعينٍ جديدة. فمن هذا العلو، تتلاشى الحدود، وتصبح الأرض كلها وطناً واحداً، والناس كلهم أسرة واحدة.
ففي كل رحلةٍ يخوضها الإنسان، لا ينتقل جسده فحسب، بل تسافر روحه وعقله؛ يتعلم دروساً لا تُخطها الكتب، ويكتسب خبراتٍ تصقل مداركه، ويزداد معرفةً بحقائق الحياة والناس. تتعرّف على ثقافاتٍ متنوعة، وألسنةٍ مختلفة، فتكتشف أن القلوب تتشابه رغم اختلاف الألوان، وأن الأرواح تتقارب رغم تباعد المسافات.
يلتقي المرء بأناسٍ لم يعرفهم بالأمس، فيجد فيهم ابتسامةً صادقة، ويداً ممدودة، وقلباً يستقبله بحبٍ لا يعرفه. فيدرك أن السفر ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو رحلةٌ للروح، وتوسيعٌ للقلب، وتعميقٌ للإنسانية في داخله.
ومن هذا العلو، تنظر بعينين لا ترى فيهما جمال الخلق فحسب، بل تصل إلى حقيقة اليقين: أن خالق هذا الكون مبدعٌ في صنعه، عظيم في فنه. ترى إبداعه في تنوع تضاريس الأرض، واختلاف ألوان الشفق، ودقة تعاقب الليل والنهار. إنه الخلاق العليم، الذي أبدع في كل شيء، وجعل في كل بقعة من بقاع الأرض آيةً تُرى، وعبرةً تُعتبر.
وفي خضم هذا التأمل، تدرك أن كل نقطة ضوء أسفل منك، هي بيت فيه أبٌ كادح، أو أمٌ ساهرة، أو قلبٌ يرجو رزقاً أو شفاءً أو فرجاً. تشفق عليهم، وتدعو لهم، وتشعر برباط إنساني عميق يجمعك بهم في هذا الكون الفسيح، فكلنا عبيدٌ له، وكلنا نحتاج رحمته.
الله ما أجمل المنظر، وما أعمق المشاعر حين تذوب (الأنا)، ويكبر القلب ليشمل الناس جميعاً، وحين يزداد العقل معرفة، وتزداد الروح يقيناً بإبداع خالقها. وما أعظم الله الذي وسعت رحمته كل شيء، ويسّر للناس التنقل في أرضه الواسعة من أجل التعارف والتواصل.
الله أكبر.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد.

