أتذكر جيداً، وأنا في أواخر المرحلة المتوسطة، كيف كنت أتردد على الجمعية الخيرية بمحافظة خميس مشيط في بداياتها الأولى لا كزائر بل كمتطوع صغير يحمل بين يديه قلماً ودفتر ملاحظات. فقد كنت أساهم في إعداد الأخبار الصحفية والربورتاج عن أعمال الجمعية ونشاطاتها، وتُنشر في الصحف المحلية باسمي. واليوم، وبعد سنوات طويلة، لا أزال محتفظاً بتلك القصاصات الصفراء التي حملت اسمي، ليس كذكرى شخصية فحسب، بل كشهادة على أن بذرة التطوع إذا غُرست في قلب صغير، ستُثمر شغفاً لا يعرف الحدود.
ومرت الأيام، وتلك البذرة الصغيرة لم تكتفِ بأن تُثمر، بل تحولت إلى شجرة وارفة. فقد تشرفت بالانضمام إلى الجمعية العمومية، ثم انتُخبت عضواً في مجلس الإدارة، وأمضيت في هذا المجلس أكثر من ستة عشر عاماً متواصلة.
والجميل في هذه الرحلة، أنني عملت في المجلس مع أساتذتي الأفاضل الذين تتلمذت على أيديهم في المرحلتين المتوسطة والثانوية. وكنت، وفي كل اجتماع، لا أبدأ الحديث إلا بعد أن أستأذنهم، قائلاً: (أساتذتي الأفاضل، هل تسمحون لي بالحديث وطرح بعض الأفكار؟).
الحمد لله، فهذه الأدبيات تعد مبادئ اختطيتها لنفسي، وتعلمتها من أول درس في التطوع أن العطاء الحقيقي يبدأ بـالأدب، وأن القيادة الفاعلة تبدأ بالتواضع، وأن العمل الجماعي المتقن يبدأ بـاحترام من سبقوك بالعمر والخبرة. والجميل في هذه الرحلة أنها لم تنتهِ عند حد الستة عشر عاماً. فقبل ثلاث سنوات تقريباً، فوجئت بالعودة مرة أخرى عضواً في مجلس الإدارة الحالي. لا أدري كيف (زُجّ بي) في هذه التجربة مرة أخرى، لكنني أدركت أن العطاء لا يشيخ، وأن الخبرة إذا اقترنت بالشغف تُثمر أكثر.
هذه المرة، كنت في مرحلة مختلفة مرحلة النضج والخبرة المتميزة. وطوال هذه السنوات الثلاث، طرحت أفكاراً جديدة ورؤى مختلفة مع رفاقي أعضاء مجلس الإدارة، استفدت فيها من كل ما مررت به في حياتي العملية والشخصية.
وهكذا، وبفضل الله، ستصل تجربتي في مجلس الإدارة إلى (عشرين عاماً) متفرقة، بين مرحلة التأسيس والتعلم، ومرحلة النضج والعطاء. وهذا يمنحني درساً آخر أن التطوع ليس محطة نصل إليها ونغادرها، بل هو طريق نسير فيه طوال العمر، وكل مرحلة فيه لها جمالها وتحدياتها.
ولم تقتصر هذه الرحلة الممتدة على جهة واحدة، بل تشعبت لتشمل جوانب متعددة من احتياجات مجتمعنا. فإلى جانب عضويتي الحالية في مجلس الإدارة، أعتز بعضويتي السابقة في جهات خيرية تلامس شرايين المجتمع الحيوية في (جمعية الأطفال المعوقين بالرياض) وفي (جمعية أكابر لكبار السن بأبها سابقاً) وفي (جمعية شكر لحفظ النعمة). هذا التنوع في العطاء علمني درساً بالغ الأهمية أن العمل التطوعي ليس مساراً واحداً، بل هو نسيج متكامل؛ تغرس من خلاله رعاية الصغير، وتوقير الكبير، وحفظ النعمة التي تجمعنا جميعاً. وفي كل الأحوال فالحديث عن التطوع ليس حديثاً عن أرقام تسجل بل عن مشاعر تغرس. فنحن نتطوع لنفوز بأجرٍ عظيم عند خالقنا، ولنشعر بذلك الرضا الذاتي الذي لا يشتريه مال. نتطوع لتنبض ثقتنا بأنفسنا من جديد، ولنكون أعضاءً فاعلين في نسيج مجتمعنا، ولنكتسب من القيم والاتجاهات الإيجابية ما يصقل أرواحنا. إنه ذلك الملاذ الآمن الذي نقدم فيه العون للآخرين، ونستثمر فيه أوقات فراغنا بما يرضي الله ويبهج نفوسنا. فيه نلمس حاجات مجتمعنا، ونشعر بمدى انتمائنا لتراب هذا الوطن، وننهل من ينابيع الخير لنلمس جزاءه، ونعمق جوانبنا الوجدانية التي قد تغفل عنها قسوة الحياة. ولا يخفى على ذي لب منا أن ممارسة العمل التطوعي هي الطريق الأمثل لتحقيق الرقي والتقدم لمجتمعاتنا، وهو الدرع الأول لسرعة التجاوب مع الكوارث والأزمات -لا سمح الله- حينما تكون الأيادي البيضاء هي الخط الأول للدفاع عن إنسانية الإنسان.
فالتطوع ركيزة أصيلة في شريعتنا وإذا كانت بعض الإحصائيات في الدول المتقدمة تشير إلى ارتفاع ممارسي العمل التطوعي، فإننا ولله الحمد لا نحتاج لاستيراد هذه الثقافة فهي سمة من سمات مجتمعنا. يقول الله تعالى: (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ)، ويقول جل وعلا: (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). والرسول الكريم صلوات ربي وسلامه عليه قال: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس…الحديث).
وفي وطننا الغالي، تزدهر الجمعيات الخيرية والمؤسسات التي تحتضن المرضى، والمحتاجين، وكبار السن، والأيتام، وتحفيظ القرآن وغيرهم لتروي ظمأ المحتاجين. لكن مثل هذه الصرح العظيمة تحتاج إلى وقود، والوقود هو المساهمة الفاعلة من كل فرد في المجتمع للانضمام لهذه القوافل المباركة.
واليوم، ونحن نخطو نحو مستقبل مشرق نجد أن رؤية المملكة 2030 من أهدافها رفع عدد المتطوعين من 11,000 متطوع إلى مليون متطوع قبل عام 2030. إنها بالفعل قفزة نوعية ومسيرة وطنية تتطلب أن نكون جميعاً جزءاً منها.
واليوم أجد أن تلك البذرة الصغيرة التي غرستها في قلبي وأنا في المرحلة المتوسطة، علّمتني أن التطوع ليس مجرد عمل ينسى، بل هو نمط حياة يبدأ من القلب، وينتقل إلى الفعل، ثم إلى التأثير الشامل. وهأنا بعد عقدين من العطاء المتواصل في مجالات متعددة، أدرك أن التطوع يغرس في محبيه قيماً تكتب بماء الذهب لنقلها للأجيال الحاضرة ومنها أن البذرة الصغيرة قد تُصبح شجرة وارفة تظلل الجميع. والمتطوع الصغير قد يُصبح قائداً يخدم فئات المجتمع كافة. وأن الأدب الذي تتعلمه سيصبح بصمتك التي لا تُمحى. والأهم من ذلك أن العطاء لا يشيخ أبداً، بل يتجدد ويتشعب ليشمل الصغير، والكبير، وموارد الوطن.
فلا تنتظر أن تُطلب منك المساعدة، بل سارع إليها. ابدأ الآن، من حيث أنت، وبما تملك. فكل دقيقة تمنحها لغيرك، هي دقيقة تُضاف لعمرك، وتبني لوطنك مجداً لا يُنسى. وفي الختام فإن التطوع ليس محطة تتوقف عندها بل هو رحلة عمر. ستظل عنواناً بارزاً وأثراً رائعاً في حياة كل متطوع.
0

