كتاب الرأي

أيام في جدة – 2-2

نحن عمومًا شطار في تعريب الإنجليش، أو لي ذراع بعض كلماته حتى توائم الحاجة. وحضرتني، بالإضافة إلى المكيف الذي في تلك الأيام، والذي عالجنا نطقه ليسهل الحديث عنه بـ«الكنديشن»، فهناك قصة طريفة عن الأستاذ «الونيت».

وقصته أن في أرامكو، أيام ما حفروا البحر، كان عندهم سيارة لحمل الأغراض، وكان رقمها 18. فكان السائق يُعرّف على السيارة عندما يدخل بأنها رقم 18، ويقول: «أيام ون إيت» (I am one aught)، فأصبحت كل سيارة من نفس الطراز تُدعى «ونيت»…

جدة لها معالم كثيرة راسخة في أذهان سكانها ومحبيها. طبعًا في المقدمة البحر والاتحاد، وأضاف صديقي الأديب الحبيب عبدالله باجبير إلى الاتحاد الخطوط السعودية، بحكم أن نشأتها كانت في جدة، وعلى ما أذكر أن المطار كان في شمال الكندرة، ومقر الخطوط الذي كان تحفة تسر الناظرين في ذلك الوقت، في شارع الشرفية.
عبدالله باجبير كان شغوفًا بالقراءة من الصغر، وهو أهلاوي الانتماء، ولكنه جداوي الهوى قبل ذلك، والاتحاد بالنسبة له كيان يحترم.
كنت أرى في باجبير مشروع أديب، رغم أن كان اختصاصه صحافة، والرياضة بالذات، ولم يخيّب ظني، فأصبح أديبًا يُشار له بكل البنانات، فبنان واحد لم يكن كافيًا. كانت له مقالات أدبية لا تجدها إلا عند عبدالله؛ نوعية مستحدثة، فاخرة، ناعمة، ولكنها تحمل في طياتها كل عناصر العمل الأدبي الرفيع.
رأس مجلة «سيدتي»، وكان كاتبًا في عدة صحف، وفي «سيدتي» بالذات.كلمته مرة قبل عدة اسابيع قلت له لماذا لا تكتب واكملت كما غنت سهام رفقي :اشتقنا ياحلو والله اشتقنا صار لك زمان مفارقنا. فقال لقد طلقت الكتابة ولم يعد لي فيها شف. . فقلت في نفسي ياليت هناك في الكتابة محلل حتي لا نحرم من مقالاتك الحلوة يا عبد الله.
كنت، وأنا ملازم وهو توّه في ميدان الصحافة، نجتمع في الصحيفة عند عمدتها الأسبق، رحمه الله، مبارك بن عبيد، والذي كان من أوائل الأهلاوية في الانتماء.
اجتماعنا كان شبه يومي في مركازه، الذي يقع على شارع الصحيفة، الذي كان أيامها يشن ويرن؛ فقد كان شريانًا يربط عدة أحياء، وما أظن أن أحدًا من سكان جدة لم يمر بذلك الشارع.
كان كل منا يضرب مشوارًا من منزله ليحضر ذلك المنتدى الشعبي البسيط، المليء بالود والصدق وحسن التواصل. كنت آتي إلى مركازه من النزلة، وهي مسافة لا يُستهان بها، ولكن بالإضافة إلى السوالف، فكان ذلك المركاز عبارة عن نشرة الأخبار العاجلة عن المجتمع، وخاصة ما يتعلق بالرياضة.
وكان مركاز بن عبيد لا يخلو من الطرائف والمواقف. كان بن عبيد رجلًا يضع انتماءاته جانبًا ويمثل العمدة المحايد. رغم اختلاف الميول، لا أذكر في يوم حصل بيننا خلاف؛ فكل يحترم الآخر.
بين الصحيفة وباب مكة والنزلة وشارع التلفزيون، ومن ثم البغدادية والشرفية وقهوة الشباب، تعرف وتفارق الأحباب والعوائل والأصحاب. فالزمن له بصمته على الحياة، ولا تملك إلا أن تعلم عليك، فتمضي معها كما شاء لها الهوى.
كانت البغدادية والشرفية من الأحياء الحديثة، فانتشرت الفلل والمساكن الفاخرة حسب إمكانيات وذوق ذلك الزمان. كان ذلك تقدمًا لم يخلُ من بعض السلبيات، فنزحت الكثير من عوائل الأحياء القديمة كالبحر والمظلوم وغيرها، فبعدت المسافات وتغير الجيران، وكان على الساكنين الجدد البحث عن صداقات أخرى، والتي لم تكن سهلة المنال.
عندما سكنت في جدة، تنقلت بين عدة حارات نتيجة البحث عن سكن كويس ورُخَيّْص؛ من الشرفية إلى الصحيفة إلى النزلة، وسكنت هناك في بيتين مختلفين، ولكن كانا قريبين من منزل الصديق فيصل بخاري، أبو عبدالله، الذي كنا أنا وطلال باغر نجتمع عنده ليتناوبا العزف على العود.
ولكن فيصل كان هاويًا، وطلال، وإن بدأ هاويًا، ولكن كل مكونات الاحتراف وسماتها كانتا لا تخفيان على من عنده أدنى قدر من الفراسة.

عملت في مدينتي البهية جدة على أربع مراحل؛ بدأتها ضابطًا ملازمًا في نجدة جدة، ثم بعد عدة سنوات عملت في مرور جدة وأنا نقيب، ثم مديرًا لمرور جدة وأنا رائد، وبعد سنوات عدت مديرًا لجوازات منطقة مكة برتبة عميد، بعدت عنها عدة سنوات في مدينتي الثانية القريبة إلى قلبي الرياض.
أحببت الطائف وأبها، وقد عملت فيهما سنوات قليلة، ولكن كانت مديد وكبيرة بالود والصداقات. كافة مناطق المملكة زرتها كلها، وهي أثيرة على نفسي. لم أعش في إحدى مدنها، ولكن كلها كانت تعلم على حياتي في مسيرتي، وخاصة العملية، وإن كانت غالبًا عن بُعد، ولكن الود والتواصل والعزوم يقربون المسافات.
عدت أخيرًا بعد التقاعد إلى جدة، والعود أسعد.
مرت حكايات وحكايات في كل شبر في جدة. هناك عبق الحياة وصور تشكلها بساطة أهلها. إذا رأيتها مرة، اختزنت في ذاكرتك، ووين ما تمضي، تلك الصور والقصص تلاحقك.
تغيب، تروح بعثة، تنتقل إلى مدينة أخرى، وين ما كنت، ما تجد نفسك إلا وأنت تدندن: «على البال دايم على البال».
أذهب إلى مدن داخل وخارج المملكة، ومن الطائرة أرى شتى المواقع والأنوار، ولكن أبدًا ليست مثل مواقع جدة وأنوارها ، وإن كانت طبق الأصل؛ فجدة غير. فتلك مجرد جماد، وهذه كل أثر ينطق بذكرى أو فكرة.
ومن نافذة الطائرة لم أحرص على التسلسل الزمني أو المكاني، فالخواطر والذكريات لا تتداعى بالترتيب، بل كما يقول المثل البلدي: «الشاطرة تفوز براعيها»…
عندما تجد ذراعين مشرعة جاهزة لاحتضانك، اعلم أنك علي مشارف جده فلا تتردد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى