قد تكون في حياة كل إنسان منا مصادفات صعبة، لم يحسب حسابها، لكنها تكون مؤثرة جدًا في مسيرته، أو على الأقل في أفكاره، وتترك في مخيلته ذكرى مريرة تمتد عبر الزمن.هناك أحداث عامة نتجت عن مثل هذه المصادفات، سنمر على بعضها.
يروي أن روبرت كان قريبًا جدًا من ثلاث حوادث اغتيال لرؤساء أمريكيين؛ كان بجانب فراش والده أبراهام لينكولن عندما اغتيل عام 1865، وكان واقفًا على رصيف محطة القطار وشاهد بنفسه اغتيال الرئيس جيمس غارفيلد عام 1881، وبعد ذلك كان حاضرًا في المعرض نفسه، وبدعوة شخصية من الرئيس وليام ماكينلي، عندما اغتيل عام 1901. وبعد هذه الحوادث رفض حضور أي مناسبة رئاسية،.
وكما يروي أيضاً من المصادفات التي ارتبطت بكارثة التايتنك، أن الضابط ديفيد بلير غادر السفينة على عجل، ونسي في جيبه مفتاح الخزانة التي كانت تحوي المناظير المكبرة التي يستعين بها مراقبو الأفق ليلًا. واضطر المراقبون إلى الاعتماد على أعينهم المجردة، وعندما رأوا الجبل الجليدي كان الوقت قد فات لتفادي الاصطدام، فحدثت الكارثة،ولكن (بلير نجا ).
وهذا جانب من المصادفات الصادمة، لكن هناك جانبًا آخر قد يراه البعض أقل تأثيرًا، وإن كان له بعده الإنساني الأليم.
صديقي فلان ليس من المهتمين بالحيوانات، لكنه يعطف عليها إذا صادف والتقى بعضها في حاجة. يقول: تجمعت بعض القطط في بيتي، وكنت أحرص على إطعامها.
ومرة كنت أمارس رياضة المشي، وعن بُعد نحو مئة متر من البيت، وجدت قطة صغيرة تموء وتبحث في الأرض عن شيء تأكله. فحز في خاطري حالها، وأشرت إليها بيدي أن تعالي، ولم أتوقع أن تستجيب، لكنها جاءت نحوي فورًا.
رجعت أدراجي إلى البيت، وهي تمضي خلفي. وعندما وصلت، وقفت عند الباب، فقد كان هناك بعض الماء، فشربت منه وانتظرت حتى فرغت، ثم فتحت الباب فدخلت وهي ترافقني، وأصبحت من ضمن القطط الموجودة في فناء المنزل.
وكانت بالذات تأتي إليّ عندما أكون في فناء البيت، وتتابعني عندما أمشي،وكأنها تقول لي: شكرًا لك. وأنا ألاطفها بدوري.
وبعد عدة أشهر وجدت أنها تعاني من مظاهر تعب بسيطة، وكان هناك عامل أعتمد عليه في المنزل ويراعي القطط، فطلبته وقلت له: هل هذا مرض يستدعي أن نأخذها إلى المستشفى البيطري؟
فقال: لا، ربما يوم أو يومين وتتعافى.
وهكذا تكرر الحال بعد يومين أيضًا.
ثم ذهبت خارج جدة لمدة ثلاثة أيام، وعندما عدت أتتني القطة، وإذا هي تعاني من الحالة نفسها، وكان الوقت متأخرًا ليلًا. فقلت للعامل: ما ينفع هكذا، الوضع جدي. غدًا صباحًا تأخذها إلى الطبيب.
وفي ظهر اليوم اتصلت على العامل وسألته: ماذا قال الطبيب عن حالتها؟
فقال: مع الأسف، في الصباح الباكر قدمت لأخذها، فوجدتها قد نفقت.
تألمت كثيرًا، ويستطرد صديقي: لم يفارق طيفها مخيلتي. فكلما تذكرتها أتألم جدًا، بل تدمع عيناي، وأتساءل: لماذا تأخرت؟
نعم، الأعمار بيد الله، ولكن ألم أكن قادرًا على أن أساهم في عدم معاناتها؟
وتتراءى لي كلما تذكرتها عبارة: لماذا تأخرت؟
ومن ناحيتي، أروي مصادفة آلمتني، وسبق أن ذكرتها في مناسبة أخرى، لكنها تعتبر واحدة من هذه المصادفات الصادمة.
عندما كنت مديرًا لجوازات منطقة مكة في جدة، وصلني صورة خطاب من معالي الفريق الطيب التونسي، مدير الأمن العام الأسبق، وكان حينذاك متقاعدًا، ومرسل أصله لمعالي الفريق فهد الشريف، رحمهما الله.كان الخطاب ينوه بأن الأعمال في جوازات المنطقة تطورت، ويشكر فيه شخصي وزملائي.
فقررت أن أشكر معاليه، ولمقامه العالي في نفسي رأيت أن أذهب إلى مكتبه في جدة، فأسلم عليه وأشكره على خطابه وما حواه من ثناء.
ومع مشاغل العمل وبعض آفات النسيان، مرت فترة وأنا أنوي، ثم أنشغل.
ولكن في يوم قلت: لابد من التوجه الآن إلى مكتبه، بصرف النظر عن أية مشاغل.
وبينما أنا أتحضر في البيت للخروج، اتصل بي معالي الفريق فهد الشريف وقال:
الفريق الطيب توفي وانتقل الي جوار ربه. قبل قليل.
فصدمت وندمت، وأنا في ذهول الصدمة.
أكمل : لقد اخترتك لترافق جثمان الفريق الطيب لكي يدفن في المدينة.
يا لهذا الحدث الصادم. كنت أريد لقاءه حيًا، ولكن الأقدار والمصادفات لا تنتظر
ما أصعب الحياة، وما أمر بعض مصادفاتها……نعم يا صديقي فلان لماذا تأخرت؟ ولماذا أنا تأخرت!؟
إذا هبّت رياح خيركم فاغتنموها، فقد تملّ تلك الرياح من الإنتظار.
0

