تُشكل الانتخابات فرصة نوعية للناخبين والمرشحين على حدٍ سواء فالناخب هو مُساهم له الحق في اختيار من يراه الأصلح لادارة الكيان؛ والمرشح له الحق في الترشُح ان وجد في نفسه القدرة والقوة لتحمل هذه المسؤولية وأداء الامانة بحقها، إلا ان الحقيقة التي يجب ان لا تغيب عن الاذهان ان الانتخابات لم تعد في المؤسسات الحديثة مجرد عملية إجرائية يختار فيها الناخب اسمًا من بين مجموعة من المرشحين، بل أصبحت أداة لصناعة مستقبل الكيان ، وإعادة تشكيل القيادة، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة الشركات. فالانتخابات لا تنجح بمجرد ارتفاع نسبة المشاركة، ولا تقاس جودتها بعدد الأصوات المدلى بها فقط، وإنما تُقاس بِقُدرة الناخب على اتخاذ قرار واعٍ، مُستقل، قائم على المعرفة، والمقارنة العادلة الدقيقة، وتحليل الاحتياجات الحقيقية للشركة.
ومن هنا تظهر قضية صناعة وعي الناخبين باعتبارها أحد أهم مرتكزات الانتخابات الناجحة؛ فالناخب الواعي لا يسأل فقط: من المرشح الذي أعرفه؟ وإنما يسأل وبعمق : من هو المرشح الأقدر؟ من المرشح الذي يملك الرؤية والخبرة والنزاهة والقيمة المضافة التي تحتاجها الشركة في المرحلة القادمة؟
إن صناعة وعي الناخبين تعني الانتقال من ثقافة “التصويت للشخص” إلى ثقافة “الاختيار على أساس الكفاءة”، ومن التأثر بالعلاقات الاجتماعية والانطباعات الاولية إلى بناء قرار الترشيح القائم على الأدلة والبراهين والمعايير الصحيحة والدقيقة. فوعي الناخب هو قدرته على فهم العملية الانتخابية، ومعرفة حقه الذي يكفله له النظام في انتخاب ما يعلم انه الأفضل ومسؤوليته عن هذا القرار، و قدرته على تحليل المعلومات المتعلقة بالمرشحين، وتقييم البرامج، والتمييز بوعي بين الحقائق والشائعات، واتخاذ قرار واعي مُستقل يخدم مصلحة شركته بعيداً عن اي اعتبارات اخرى .فالناخب الواعي لا يسمح باستغلال صوته وتقديمه لمن لا يستحق لإدراكه العميق بمسؤولية صوته الانتخابي وأثره على مستقبل الشركة المالي والإداري . فيعمل على تدقيق سيرة المرشحين و دراسة خبراتهم وبرامجهم؛ ونقد و تحليل المعلومات الواردة عنهم؛ وعدم قبولها دون تحقق من مصداقيتها حتى يتمكن من اختيار الأصلح الذي يستطيع التعامل مع تحديات الحاضر واستراتيجيات المستقبل، مقدماً مصلحة الشركة على المصالح الشخصية أو العلاقات الخاصة. ومن هنا نصل إلى حقيقة ان وعي الناخبين يؤدي إلى جودة اختيار مجالس الإدارات مما يحقق جودة القرارات الإدارية المستقبلية وضمان استدامة الشركات.
وهذا يعني أن الاستثمار في تنمية وعي الناخب ليس نشاطًا انتخابيًا مؤقتًا، وإنما استثمار في رأس المال المؤسسي لتحقيق استثمار حقيقي لمستقبل الشركات؛ مع ضرورة التاكيد على ان ناخب اليوم هو المُتابع لاعمال مجلس الادارة غداً والمدقق لمدى تحقيق المجلس لاهداف الشركة وفق اعلى معايير الجودة و الامانة والمصداقية .
وهكذا يُصبح التصويت فعلًا امانة ومسؤولًية وليس مُجرد ممارسة لحق انتخابي.





