المقالات

حين تفقد المنظمات روحها

تفقد المنظمة روحها عندما يسود أجوائها “التهكم التنظيمي”، فالتهكم التنظيمي ليس مجرد كلمات ساخرة تتردد في أروقة المنظمات، بل هو انعكاس عميق لخيبةٍ تراكمت في نفوس كوادرها، والذي يبدأ حين يفقد العاملون الثقة في الشعارات التي تُرفع أمامهم؛ فيرون الحديث المعلن عن “الشفافية” بينما تُدار القرارات خلف الأبواب المغلقة، ويسمعون عن “التقدير” في بيئةٍ لا ترى جهده إلا رقمًا عابرًا في تقارير الأداء.
ولا ينشأ التهكم التنظيمي من فراغ؛ بل تغذيه الوعود المؤجلة، والقرارات غير العادلة، والتناقض بين ما تقوله الإدارة وما تمارسه على واقعها. فالموظف الذي يُطالَب بالإبداع بينما يُقابل رأيه بالتجاهل، أو الذي يُدعى للمشاركة بينما تُتخذ القرارات بعيدًا عنه، يبدأ تدريجيًا في بناء جدار نفسي يفصله عن المنظمة، فيتحول إلى موظف حاضرٍ بالجسد، غائبٍ بالحماس.
إن مما يزيد خطورة التهكم التنظيمي أنه لا يهاجم الإنتاجية وحدها، بل يفتك بثقافة المنظمة ذاتها. فالموظف المتهكم لا يكتفي بفقدان الثقة، بل ينقل هذا الشعور إلى من حوله، لتصبح السخرية لغة جماعية، ويغدو الإحباط ثقافة غير معلنة. عندها تتراجع المبادرات، ويختفي الولاء، وتعجز المنظمة عن قدرتها على إشعال الحماس في نفوس عامليها مهما أنفقت من موارد أو أطلقت من شعارات.
وبالرغم من ذلك، فإن علاج التهكم التنظيمي ليس مستحيلًا. تبدأ المعالجة حين تدرك الإدارة أن الثقة لا تُفرض بالخطابات، بل بالمصداقية. فحين تتطابق الأفعال مع الأقوال، تعود الثقة ببطء، ويتحول العمل من مساحة للشك والسخرية إلى بيئة يشعر فيها الموظف أن جهده له معنى.
وختامًا، يكمن القول إن التهكم التنظيمي في جوهره ليس تمردًا على المنظمة، بل صرخة صامتة تعبّر عن فجوةٍ بين ما يأمله الموظف وما يراه في الواقع. وكل منظمة تهمل هذه الصرخة، قد تنجح في إدارة أعمالها مؤقتًا، لكنها تفقد شيئًا أكثر عمقًا ألا وهو روح الموظفون داخل العمل.

• دكتوراه الادارة التربويه والتخطيط بجامعة ام القرى

د. أماني ناصر عواجي

دكتوراه الادارة التربويه والتخطيط بجامعة ام القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى