كتاب الرأي

من يصنع ذوقنا؟

يتكرر في كل نقاش عن سقوط المحتوى وابتذال الصورة العامة تبرير جاهز، هذا ما يطلبه الجمهور. تنحدر الأغنية إلى كلمات لا تحمل معنى، فيُقال إن الناس لم تعد تريد المعنى، يتحول الفيلم إلى مشاهد مفرغة من أي فكرة، فيُقال إن الجمهور يريد التسلية لا العمق، يظهر لاعب مشهور بقصة شعر صادمة أو وشم يغطي جسده، فيُقال إن هذا ذوق الجيل ولغته، هذا التبرير يحمل مغالطة يستريح إليها من لا يريد أن يتحمل مسؤولية ما يصنعه، لأنه يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة؛ يجعل من الجمهور مصدر الطلب المستقل، بينما الحقيقة أن الجمهور متلق لما يُعرض عليه ضمن خيارات محدودة صمّمتها جهات إنتاج وتسويق تعرف تماماً كيف تُدبر الرغبة قبل أن تدعي أنها تلبّيها.
الصناعات الترفيهية الكبرى لا تكتفي بقراءة السوق، بل تُنتج السوق. هي التي تختار أي أغنية تُروَّج بميزانيات ضخمة على المنصات حتى تتكرر في الأذن آلاف المرات فتصبح مألوفة، ثم محبوبة، ثم مطلوبة، وهي التي تقرر أي صورة للاعب أو فنان تُبرَز في الإعلام حتى تصبح نموذجاً يُحتذى، رغم أن هذا النموذج لم يُختَر لجدارته بل لقابليته للتسويق. حين يسقط مستوى الكلمة في الأغنية، أو يتراجع عمق القصة في المسلسل، أو تتحول مظاهر بعض اللاعبين إلى استعراض بعيد عن أي معنى تربوي، فإن هذا لا ينزل من فراغ اسمه رغبة الجمهور، بل يُهندَس بقرارات تحريرية وتسويقية واضحة، ثم يُعاد تسويقه على أنه انعكاس لذوق تلقائي نشأ من تلقاء نفسه. صحيح أن بعض الأعمال الرصينة تنجح أحياناً رغم ضعف ميزانيتها التسويقية، لكن هذه استثناءات تؤكد القاعدة ولا تنقضها، فهي تثبت أن الذوق الرفيع لا يزال حياً كلما وُجدت له فرصة حقيقية للوصول، لا أنه غائب عن رغبة الجمهور أصلاً.
والأخطر من ذلك أن هذا السرد يُراد منه إخلاء ساحة المسؤولية؛ فحين تُقنع المؤسسات نفسها وجمهورها بأن ما يُعرض هو نتاج طلب شعبي حر، فإنها تتنصل من واجبها في التوجيه، وتترك أخطر أداة في تشكيل الأجيال، وهي الصورة المتكررة أمام أعينهم، لمن يحكمه هدف الربح السريع لا هدف البناء الحضاري.
لاعب الكرة الذي يتابعه ملايين الأطفال ليس مجرد رياضي يمارس هوايته، بل قدوة فعلية تتشكل عبرها تصورات جيل كامل عن الرجولة والنجاح والانضباط، سواء أراد ذلك أم لم يرده. وحين تُترك صورته لمنطق الإثارة البصرية وحدها، فإن الرسالة التي تصل إلى الأطفال ليست رسالة الرياضة، بل رسالة أن الشهرة تُبنى بالمظهر الصادم لا بالانضباط والإتقان.
الحل ليس في فرض وصاية تُلغي حرية الذوق أو تُعيد أمجاد رقابة خانقة، فذلك انتكاسة لا نهضة، ولكن الحل يكمن في استعادة المؤسسات لدورها الطبيعي في التوجيه الواعي، ذلك الدور الذي تنازلت عنه حين صدّقت أن السوق محايد وأن الجمهور مستقل تماماً في اختياراته، عقلاء كل مجتمع من أهل الفكر والتربية والإعلام والفن الرصين ليسوا رقباء يمنعون، بل صنّاع بديل ، و هم من ينبغي أن يُمنحوا منصات الإنتاج ذاتها التي يملكها اليوم من يصنع الابتذال، ودعماً يوازي ما يُمنح للمحتوى السطحي من ميزانيات ترويج، حتى يجد الجمهور أمامه خياراً حقيقياً لا خياراً واحداً يُقدَّم له على أنه رغبته.
المؤسسات القوية لا تنتظر أن يطلب الناس الرقيّ لتقدمه، بل تصنع الرقيّ حتى يألفه الناس فيطلبوه.
النهضة الحقيقية تبدأ حين نكف عن الاختباء خلف عبارة “الجمهور يريد”، ونسأل بدلاً منها: من صمّم هذا الذي يريده الجمهور؟ ولماذا سُمح له بأن يكون الخيار الوحيد؟ الشارع لا يصنع ذوقه من عدم، بل يتعلمه مما يُعرض عليه يومياً بإلحاح ومهارة تسويقية عالية.
فإذا أرادت المجتمعات أن ترى أبناءها يقتدون بالعالم قبل اللاعب، وبالكلمة الرصينة قبل الكلمة الفارغة، فعليها أن تعيد الأمانة إلى أهلها، وأن تمنح عقلاءها موقع القرار في صناعة الصورة العامة، بدل أن تترك هذه الصورة تُصاغ بمنطق من يدفع أكثر لا من يبني أفضل.

د. عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري

‏• رئيس مركز دار اثان للدراسات الاستشرافية و الاستراتيجية ‏• ⁠ وزير الثقافة و الإعلام السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى