يمر الإنسان في حياته بمشاعر كثيرة؛ يقلق، ويحزن، ويخاف، ويغضب، وقد يحسد أو يندم أو يشعر بالوحدة، وربما يصل في بعض مراحل حياته إلى الإحباط واليأس. وهذه المشاعر جزء من التجربة الإنسانية، لكن المشكلة تبدأ عندما تستولي على الإنسان وتتحول من شعور عابر إلى أسلوب يعيش به حياته.
وعندما نتأمل القرآن الكريم نجد هدايات عظيمة تساعد الإنسان على فهم نفسه وضبط مشاعره واستعادة توازنه. وليس المقصود أن كل مشكلة نفسية لها آية خاصة تعالجها طبيًا، ولا أن الاستعانة بالقرآن تغني عن العلاج المتخصص عند الحاجة، وإنما المقصود أن القرآن يقدم للإنسان مبادئ وهدايات تعينه في طريق الإصلاح.
فالإنسان الذي يسيطر عليه القلق يجد أمامه قوله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
ومن أثقله الحزن يتأمل قول يعقوب عليه السلام: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86]، وفيها معنى مهم؛ فالحزن لا يعني بالضرورة ضعف الإيمان، والإنسان قد يحزن ويبكي ويشتاق ويبقى صابرًا محتسبًا.
أما من وصل إلى اليأس والقنوط، فيأتيه النداء القرآني واضحًا: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
ومن يخاف المستقبل ويستهلك يومه في التفكير فيما قد يحدث غدًا، يتأمل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. والتوكل لا يعني ترك التخطيط والأسباب، بل أن تفعل ما تستطيع ثم تسلم إلى الله ما لا تستطيع التحكم فيه.
ومن يجلد نفسه بسبب الماضي والندم، فباب العودة لم يغلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]. فالخطأ ينبغي أن يقود إلى إصلاح ما يمكن إصلاحه، لا إلى سجن الإنسان نفسه داخله بقية حياته.
وعندما يشعر الإنسان بالعجز، يتذكر: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وهنا يحتاج إلى أن يقسم المشكلة الكبيرة إلى خطوات صغيرة: ما الذي أستطيع فعله اليوم؟
أما من يعاني ضعف الشعور بقيمته، فليتأمل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]. والكرامة الإنسانية لا تعني الغرور، وإنما ألا يجعل الإنسان فشلًا أو نقدًا أو نقصًا في جانب واحد حكمًا على قيمته كلها.
وعندما يصبح الإنسان أسيرًا لـ كلام الناس، يتذكر أن رضا الجميع غاية لا تتحقق، وأن عليه أن يميز بين النصيحة التي يستفيد منها وبين الخوف الذي يجعله يعيش حياته وفق توقعات الآخرين.
أما الغضب، فقد رسم القرآن أحد أجمل معالم التعامل معه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]. وليس كظم الغيظ إنكارًا للغضب، بل منع الغضب من قيادة السلوك.
وفي الحقد وصعوبة العفو يقول تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: 22]. والعفو لا يعني أن تسمح للآخر بأن يؤذيك مرة أخرى، فقد تعفو وتضع حدودًا في الوقت نفسه.
وفي الحسد يقول سبحانه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]. وبدل أن يسأل الإنسان: لماذا لديه ما ليس لدي؟ يمكن أن يسأل: ماذا أستطيع أن أفعل بما أعطاني الله؟
وفي سوء الظن يأتي التوجيه صريحًا: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]. وكم من علاقة انهارت بسبب تفسير ظنه صاحبه حقيقة!
أما الوسواس فنقرأ: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4]. وهنا يجب التفريق بين الوساوس العابرة وبين اضطراب الوسواس القهري الذي قد يحتاج إلى علاج متخصص.
وعندما يسيطر التشاؤم وفقدان الأمل، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ [يوسف: 87].
وعندما يستعجل الإنسان النتائج، يتذكر: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]. فالإصلاح النفسي والأسري وتغيير العادات لا يحدث عادة في ليلة واحدة.
وفي التردد أمام القرارات نجد قاعدة عملية جميلة: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]: مشاورة، ثم قرار، ثم توكل.
وفي فقدان الدافعية يقول تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]. فلا تنتظر دائمًا أن يأتي الحماس أولًا؛ ابدأ بخطوة صغيرة، فقد يأتي الحماس بعد البداية.
ومن يشعر بالوحدة يتذكر سعة علم الله وإحاطته: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]، مع ضرورة ألا تتحول هذه الطمأنينة إلى انسحاب من العلاقات الإنسانية التي يحتاج إليها الإنسان.
أما من يشعر بأن الحياة أغلقت أبوابها، فليتأمل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5].
وهكذا نكتشف أن القرآن لا يطلب منا أن نعيش بلا مشاعر، وإنما يعلمنا كيف لا تصبح مشاعرنا هي التي تقود حياتنا.
فالقلق يحتاج إلى طمأنينة وأخذ بالأسباب، والغضب يحتاج إلى ضبط، والحسد يحتاج إلى رضا وسعي، والندم يحتاج إلى توبة وإصلاح، واليأس يحتاج إلى استعادة الرجاء.
والهداية القرآنية لا تمنع الإنسان من طلب المساعدة النفسية أو الاجتماعية أو الطبية عند الحاجة؛ بل قد يكون طلب المساعدة جزءًا من الأخذ بالأسباب.
فالقرآن لا يلغي مشاعر الإنسان، وإنما يهذبها ويوجهها حتى لا تتحول من مشاعر نعيشها إلى قيود تعطل حياتنا.

