في اليوم الوطني السعودي.. من حلم التوحيد إلى وطنٍ يختصر المجد
ليتك يا أبو تركي تشوفها بعد ستة وتسعين عامًا من ذلك اليوم الذي توحدت فيه البلاد تحت راية التوحيد، وتشوف كيف تحولت مساحات الصحراء التي شهدت خطواتك الأولى إلى وطنٍ شامخ، تتسع مدنه، وتزدهر أرجاؤه، وتتسارع فيه مسيرة التنمية، ويكتب أبناؤه وبناته كل يوم فصلًا جديدًا في قصة وطن بدأ بالعزيمة، وقام على التوحيد، واستمر بالبناء، ويمضي اليوم بثقة نحو المستقبل.
في اليوم الوطني السعودي، لا نحتفل بمجرد تاريخٍ في التقويم، بل نستحضر قصة وطن.
قصة رجلٍ آمن بالله، ثم آمن بقدرته على استرداد ملك آبائه وأجداده، ومضى بعزيمة وإصرار في طريقٍ لم يكن مفروشًا بالسهولة، ولا خاليًا من المخاطر والتحديات، حتى استطاع أن يجمع شتات البلاد، ويوحّد كلمتها، ويؤسس دولةً حملت اسم المملكة العربية السعودية.
ججإنها قصة توحيد، لا استقلال؛ قصة لمّ شمل، لا إجلاء محتل؛ قصة أرضٍ جمعت أهلها راية التوحيد، بعد أن عاشت عقودًا من التفرق وتعدد الولاءات.
وهنا، حين نستعيد سيرة المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-، لا يمكن أن نتجاوز أولئك الذين كانوا حوله في بدايات الرحلة، رجالًا ونساءً، ومن بينهم شقيقته الكبرى نورة بنت عبدالرحمن آل سعود -رحمها الله-، التي احتلت مكانة خاصة في حياته وذاكرته.
كانت نورة أكثر من أخت؛ كانت، في الذاكرة التي تناقلتها الأجيال، صوتًا يدفع إلى الأمام، وإيمانًا بقدرة أخيها على تحقيق ما عزم عليه.
كان عبدالعزيز يمتلك العزيمة، ويحمل في داخله طموح استرداد مجد آبائه وأجداده، لكن العزائم الكبيرة تحتاج أحيانًا إلى كلمة تشعل جذوتها، وإلى قلبٍ يقول لصاحبها: تقدم، فالله معك.
ولهذا بقي اسم نورة حاضرًا في وجدان المؤسس، حتى أصبحت عبارته الشهيرة «أنا أخو نورة» جزءًا من الذاكرة الشعبية والتاريخية السعودية المرتبطة بشخصيته.
ولم تكن الطريق قصيرة.ولا ممهدة فقد خاض المؤسس ورجاله معارك عديدة، وتحملوا مشاق الطريق، وكان معه رجالٌ آمنوا بمشروع التوحيد، ووقفوا إلى جانبه في أصعب الظروف، حتى اكتملت المسيرة بإعلان توحيد البلاد عام 1932م.
كان أولئك الرجال، من الصقور المخلصين الأوفياء، أكثر من أسماء في سجل المعارك؛ كانوا رجال مرحلة، حملوا أرواحهم على أكفهم، ومضوا خلف قائدهم في طريقٍ كانت نهايته تأسيس دولة.ونادى المنادي:
(الملك لله ثم لعبدالعزيز )
واليوم، بعد ستة وتسعين عامًا، نقف أمام المشهد من زاوية مختلفة.
نرى وطنًا لم يتوقف عند حدود التأسيس.
فمن تلك البدايات الصعبة، بدأت مسيرة بناء دولة حديثة، تعاقبت عليها أجيال من القيادة والبناء والتنمية، حتى أصبحت المملكة العربية السعودية دولةً ذات حضور إقليمي ودولي، واقتصادًا ضمن الاقتصادات الكبرى، ومجتمعًا شابًا يحمل طموحًا واسعًا للمستقبل.
ليتك يا أبو تركي تشوف دارك هنوف…
تشوف أبناءك وأحفادك وأحفاد وطنك، وهم يحملون الراية نفسها، ويعيشون في ظل الأمن والاستقرار، ويكملون ما بدأته أنت ورجالك.
تشوف الجامعات والمستشفيات والطرق والمدن، وتشوف التقنية والاقتصاد والمشاريع العملاقة، وتشوف المرأة السعودية وهي تشارك في ميادين العمل والعلم، وتشوف الشباب السعودي وهم يصنعون لأنفسهم ولوطنهم مكانًا في عالمٍ يتغير كل يوم.
وتشوف وطنًا لم تعد نهضته التنموية محصورة في مجال واحد، بل امتدت إلى الاقتصاد والصناعة والسياحة والثقافة والرياضة والتقنية والخدمات اللوجستية والاستثمار، وأصبحت معه المملكة منطقة جذب متنامية للأعمال والاستثمارات والفعاليات والسياحة، ووجهة تستقطب اهتمام العالم.
وتشوف، قبل ذلك كله، أن راية التوحيد ما زالت هي الراية.
لم تتغير الهوية، ولم يتغير الانتماء.
تلك الراية التي حملتها في طريق التأسيس، ما زالت ترفرف فوق وطنٍ تجاوز مرحلة التوحيد إلى مرحلة البناء، ثم إلى مرحلة التنمية، واليوم إلى مرحلة الطموح وصناعة المستقبل.
وفي ظل الاهتمام المتواصل من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، تمضي المملكة في مسيرة تنموية واسعة، تعزز اقتصادها، وتنوع مصادر دخلها، وتستثمر في الإنسان، وتفتح آفاقًا جديدة أمام القطاع الخاص والاستثمار، وتعمل على بناء اقتصاد أكثر تنافسية وحضورًا في الاقتصاد العالمي.
لقد أصبحت المملكة اليوم الدولة العربية الوحيدة ضمن مجموعة العشرين، وهو حضور يعكس مكانتها الاقتصادية، ويضعها في قلب النقاشات الدولية المتعلقة بالاقتصاد والطاقة والتجارة والاستثمار والتنمية.
ولم يعد تأثير المملكة اقتصاديًا فحسب.
فمع تنامي ثقلها الاقتصادي، اتسع حضورها السياسي والجيوسياسي، وأصبحت الرياض مركزًا للحوار، ومنصة للقمم واللقاءات، وحاضرة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية التي تمس أمن المنطقة واستقرارها.
وأصبحت المملكة طرفًا فاعلًا في مساعي التهدئة والحوار، ودعم الحلول السياسية، وإعادة الاستقرار في عدد من الدول والأزمات، مستندة إلى مكانتها وثقلها وعلاقاتها الواسعة.
ولعل الملف السوري من أحدث الأمثلة على ذلك؛ فقد كان للمملكة حضور سياسي ودبلوماسي وإنساني متواصل في دعم أمن سوريا واستقرارها ووحدتها، واستضافت الرياض لقاءات ومباحثات تناولت مستقبل سوريا، في إطار السعي إلى دعم الاستقرار، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، ومساندة الشعب السوري في مرحلة إعادة بناء دولته ومؤسساته.
وهكذا، يا أبا تركي، لم يعد وطنك ذلك البلد الذي بدأ رحلته باسترداد الرياض وتوحيد البلاد فحسب؛ بل أصبح دولةً لها وزنها الاقتصادي، وحضورها السياسي، وتأثيرها الإقليمي والدولي، ودور متنامٍ في القضايا التي ترسم مستقبل المنطقة.
ليتك تشوف كيف تحولت الأرض التي شهدت بدايات حلمك إلى وطنٍ تستقبل مدنه العالم.
تشوف الرياض وهي تستضيف القمم والمؤتمرات، وتحتضن الأعمال والاستثمارات والفعاليات الدولية.
تشوف البحر الأحمر والعلا وغيرها من الوجهات السعودية وهي تتحول إلى مقاصد عالمية.
تشوف شباب الوطن وهم يعملون في مجالات لم تكن تخطر على بال أحد في زمن التأسيس.
وتشوف المرأة السعودية وهي تساهم في بناء اقتصاد ومجتمع جديدين.
وتشوف وطنًا لم يكتفِ بما تحقق، بل يواصل البحث عن مكانٍ أكبر في المستقبل.
يا أبا تركي…
لو عدت اليوم للحظة واحدة، لربما وقفت طويلًا أمام هذه البلاد، تتأمل ما صنعت الأيام.
ولربما تذكرت تلك اللحظات الأولى، حين لم يكن أمامك إلا الإيمان بالله، والعزيمة، وعدد من الرجال المخلصين، وكلمة من أختٍ كبرى تؤمن بك وتدفعك إلى الأمام.
ثم تبتسم، وتقول:
الحمد لله…
فما كان حلمًا بالأمس، أصبح وطنًا شامخًا اليوم.
وما كان طريقًا محفوفًا بالمخاطر، أصبح مسيرة وطنٍ راسخة، عمرها عقود من البناء والاستقرار والتنمية.
وما بدأ باسترداد الرياض، أصبح وطنًا مترامي الأطراف، يجمع ملايين المواطنين تحت راية واحدة، وهوية واحدة، واسم واحد:
المملكة العربية السعودية.
في يوم الوطن، نستذكر المؤسس ورجاله، ونستذكر كل من أسهم في بناء هذه البلاد، وكل يدٍ شاركت في رفع بنيانها، وكل جيلٍ حمل الأمانة ومضى بها إلى الجيل الذي يليه.
لكننا، في الوقت نفسه، ننظر إلى الأمام.
فالأوطان لا تعيش على أمجاد الماضي وحدها؛ وإنما تجعل من تاريخها أساسًا لمستقبلها، ومن إنجازاتها حافزًا لإنجازات أكبر.
ولهذا فإن قصة المملكة ليست قصة توحيدٍ انتهت بإعلان الدولة، بل قصة بدأت بالتوحيد، واستمرت بالتأسيس، ثم البناء والتنمية، وتمضي اليوم إلى مرحلة جديدة عنوانها الطموح والتنافسية والتأثير وصناعة المستقبل.
رحم الله الملك عبدالعزيز، ورحم رجاله الأوفياء، ورحم كل من خدم هذا الوطن وأسهم في بنائه.
وحفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها، وحفظ قيادتها وشعبها، وبارك في مسيرتها التنموية، وأدام عليها نعمة الوحدة والاستقرار والرخاء.
وكل عام والوطن بخير.
كل عام وراية التوحيد خفاقة.
كل عام والمملكة تمضي بثبات نحو مستقبلٍ أكثر ازدهارًا وحضورًا وتأثيرًا.
كل عام ونحن نقولها بكل فخر:
ليتك يا أبو تركي تشوف… دارك هنوف
الحمدلله على نعمة الإسلام والسعودية و ال سعود.

