كتاب الرأي

عزّنا بطبعنا .. حين يتحوّل الشعار إلى سلوك يومي يصنع الوطن

لا تُقاس قوّة الأوطان بما ترفعه من شعارات في أيام الاحتفال، بل بما تُجسّده من سلوك يومي في حياة مواطنيها. وفي المملكة العربيّة السعوديّة، لا يأتي اليوم الوطني السادس والتسعون بوصفه مناسبةً عاطفيّةً فحسب، بل بوصفه لحظةً وطنيّةً تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، وتُبرز جوهر الشخصيّة السعوديّة التي صاغتها التجارب التاريخيّة وصقلتها التحوّلات الكبرى. ولهذا جاء شعار هذا العام (عزّنا بطبعنا) ليُعبّر عن حقيقة راسخة في الوعي السعودي: أنّ العزّ ليس زينةً لغويّةً، بل ممارسة يوميّة تُبنى بالمسؤوليّة والالتزام والعمل.
نمتلك كسعوديون تاريخاً طويلاً من الشجاعة والرؤية والأصالة والهمّة والجود، وهي قيم ليست مجرّد صفات تُذكر في الكتب، بل عناصر حيّة تتجدّد في كل جيل وتظهر في تفاصيل الحياة اليوميّة. فحين نقول إنّ عزّنا بطبعنا، فإنّنا لا نصف حالةً وجدانيّةً، بل نُحدّد إطاراً سلوكيّاً يُلزم المواطن بأن يكون جزءاً من مشروع الدولة، لا مجرّد متلقّ لثمارها.

العزّ سلوك لا شعار
يُخطئ من يظنّ أنّ العزّ يُصنع في لحظة أو يُكتسب بقرار. فالعزّ السعوديّ ليس حدثاً طارئاً، بل تراكم تاريخيّ بدأ باسترداد الرياض، ومرّ بمسار التوحيد، ووصل إلى بناء دولة حديثة تُعيد تشكيل مستقبلها بثقة ومسؤوليّة. وفي هذا السياق، يصبح الشعار الوطنيّ امتداداً لهذه المسيرة، لا قفزةً خارجها.
فعلاً، عزّنا بشجاعتنا حين نقول الحقيقة ونحمي وطننا بالوعي قبل السلاح، وعزّنا بأصالتنا حين نتمسّك بقيمنا التي صنعت احترام العالم للمجتمع السعوديّ، وعزّنا بكرمنا حين نمدّ يد العطاء بلا انتظار مقابل، وعزّنا برؤيتنا حين نفكّر في المستقبل بثقة ومسؤوليّة، وعزّنا بهمّتنا حين نتقن أعمالنا ونرتقي بمعايير الأداء في كل قطاع من قطاعات الدولة.
هذه القيم ليست مجرّد مفردات تُكتب في الخطابات، بل هي أدوات عمليّة تُعيد تشكيل علاقة المواطن بوطنه. فالمواطن السعوديّ اليوم شريك فعليّ في صناعة العزّ الوطنيّ، يحترم النظام، ويحافظ على الممتلكات العامّة، ويؤدّي عمله بإتقان، ويتعامل بوعي مع المعلومات في زمن تتسارع فيه الشائعات والحملات الإعلاميّة. وفي ظلّ التحوّلات الكبرى التي تقودها رؤية المملكة ٢٠٣٠، يصبح هذا السلوك الوطنيّ جزءاً من قوّة الدولة، وجزءاً من مسؤوليّة كل فرد تجاه وطن يستحقّ أن نكون جديرين به.

رؤية السعودية ٢٠٣٠.. حين يتحوّل المواطن إلى محور التحوّل
لم تكن رؤية السعودية ٢٠٣٠ مشروعاً اقتصاديّاً فحسب، بل مشروعاً لإعادة تشكيل الإنسان السعوديّ بوصفه محور التنمية. فالرؤية لم تُقدّم خططاً فنيّةً فقط، بل أعادت تعريف مفهوم المواطنة، وربطت بين الأداء الفرديّ والقوّة الوطنيّة. ولهذا فإنّ شعار (عزّنا بطبعنا) يأتي منسجماً مع هذا التحوّل، لأنّه يُعيد التأكيد على أنّ العزّ ليس امتيازاً يُمنح، بل مسؤوليّة تُمارس.
لقد أثبتت السنوات الماضية أنّ المواطن السعوديّ قادر على أن يكون جزءاً من التحوّل الوطنيّ حين تتوفّر له البيئة المناسبة، وحين يشعر بأنّ دوره ليس هامشيّاً، بل محوريّ في بناء المستقبل. فالمبادرات الوطنيّة الكبرى، من تطوير المدن إلى التحوّل الرقميّ إلى مشاريع الطاقة والسياحة، لم تكن لتنجح لولا مشاركة المواطن، والتزامه، وقدرته على التكيّف مع متطلّبات العصر.

العزّ في تفاصيل الحياة اليوميّة
قد يبدو الحديث عن العزّ حديثاً كبيراً، لكنّه في الحقيقة يبدأ من تفاصيل صغيرة تُشكّل جوهر السلوك الوطنيّ. فحين يحترم المواطن النظام، فإنّه يُسهم في بناء دولة قويّة تُحترم في العالم. وحين يحافظ على الممتلكات العامّة، فإنّه يُعيد إنتاج مفهوم الملكيّة المشتركة التي تُشكّل أساس الدولة الحديثة. وحين يُتقن عمله، فإنّه يُضيف إلى الاقتصاد الوطنيّ قيمةً تتجاوز حدود وظيفته.
وفي زمن تتسارع فيه المعلومات، يصبح الوعي الإعلاميّ جزءاً من العزّ الوطنيّ. فالمواطن الذي يُميّز بين الحقيقة والشائعة، ويُدرك أنّ المعلومة قد تكون سلاحاً، يُسهم في حماية وطنه من حملات التضليل التي تستهدف صورته ومكانته. وهذا الوعي ليس ترفاً، بل ضرورة في عالم تُدار فيه الصراعات عبر الإعلام بقدر ما تُدار عبر السياسة والاقتصاد.

العزّ بين الماضي والمستقبل
نملك كسعوديون تاريخاً مليئاً بالمواقف التي تُجسّد معنى العزّ، من توحيد البلاد إلى بناء الدولة إلى حماية أمنها واستقرارها. لكنّ العزّ الحقيقيّ ليس في الماضي وحده، بل في القدرة على تحويل هذا الماضي إلى طاقة تُحرّك المستقبل. فالدولة التي تملك تاريخاً قويّاً، وتملك رؤيةً واضحةً، وتملك شعباً واعياً، تستطيع أن تُعيد تشكيل موقعها في العالم، وأن تُحوّل التحدّيات إلى فرص.
وفي هذا السياق، يصبح اليوم الوطنيّ لحظةً للتأمّل لا للاحتفال فقط. لحظةً يُعيد فيها المواطن النظر في دوره، وفي مسؤوليّته، وفيما يمكن أن يُضيفه إلى وطن يمضي بثقة نحو المستقبل. فالعزّ ليس ما نقوله في يوم واحد، بل ما نفعله في اليوم التالي.

عزّنا بطبعنا.. مشروع وطنيّ مستمر
إنّ شعار (عزّنا بطبعنا) ليس عبارةً احتفاليّةً تُرفع في المناسبات، بل مشروع وطنيّ مستمرّ يبدأ من المواطن وينتهي بوطن أقوى وأكثر حضوراً وتأثيراً. فالعزّ السعوديّ ليس حدثاً، بل مسار طويل يُبنى بالعمل، ويُصان بالمسؤوليّة، ويُعزّز بالوعي، ويتجدّد في كل جيل.
وحين نقول إنّ العزّ بطبعنا، فإنّنا نُعلن أنّ هذا الوطن لا يستمدّ قوّته من الخارج، بل من داخله، من قيمه، ومن شعبه، ومن تاريخه، ومن قدرته على أن يُعيد تشكيل مستقبله بثقة لا تهتزّ. وهذا ما يجعل اليوم الوطنيّ مناسبةً لا للاحتفال بالماضي فقط، بل للاحتفال بالمستقبل الذي نصنعه معاً.

ختاماً..
العزّ السعوديّ ليس شعاراً، بل سلوك يوميّ يُمارسه المواطن في كل موقف من حياته. ومع رؤية ٢٠٣٠، أصبح هذا السلوك جزءاً من مشروع وطنيّ كبير يُعيد تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد. ولهذا فإنّ شعار (عزّنا بطبعنا) يأتي ليُعيد التأكيد على أنّ العزّ ليس امتيازاً، بل مسؤوليّة تُمارس، وأنّ المواطن هو أساس هذا المشروع، وأنّ الوطن يستحقّ أن نكون جديرين به.

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى