كتاب الرأي

عزنا بطبعنا..منهج حياة

في تلك اللحظات الصافية التي يتسلل فيها النوم إلى أجفاني بعد يوم وطني حافل بالمشاهد وفرحة متواصلة لم تغادر ملامحنا وجدت عقلي يرفض السكون وقلبي يرفض الصمت. كانت الأفكار تتراقص في رأسي كالأعلام التي تلوح في كل شارع حتى استقرت على شعار يومنا الوطني السادس والتسعين (عزنا بطبعنا).
شعار يحمل في طياته بساطة الكلمات وعمق المعاني فكأنه يقول لنا: لا تبحثوا عن عزنا في الماديات فحسب بل انظروا إلى دواخلنا. فطباعنا كلها رائعة لأن أصولها مغروسة في ديننا ومنبعها الصافي في قرآننا وهديها في سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. إنه الطبع الذي ليس مجرد عادة بل هو الفطرة السليمة والخلق القويم. انطلاقتنا منه تنبع من قيمنا الإسلامية والعربية الأصيلة التي ورثناها أباً عن جد. وجذور هذا الطبع النبيل لا تنبت في فراغ بل تنبت من مكانة قيادتنا الرشيدة التي رعت هذه الفطرة ومن شموخ وطننا الذي احتضنها. في هذه الأسطر تزدان حروفي بالكتابة عن الإنسان السعودي عن ابتسامة الطفل الذي يلوح بعلمه وعن دمعة الفخر في مقلة الأجداد وعن كرم الضيافة الذي يسكن غرائزنا. أكتب عن وطن عزه ليس مستعاراً بل هو جزء من تركيبته الجينية نبع من السماء وتجذر في الأرض فاستحق أن يقال فيه وفي أهله (عزنا بطبعنا).
وهذا هو جوهر شعار يومنا الوطني السادس والتسعين (عزنا بطبعنا) الذي لم يكن وليد اللحظة بل هو امتداد لفطرة جسدناها ولا نزال منذ أن وضع الملك المؤسس طيب الله ثراه لبنة الدولة السعودية في تلك الوحدة التاريخية التي ينظر إليها المؤرخون بإكبار ويعتبرونها أعظم وحدة وطنية في التاريخ الحديث والمعاصر. فمن رحم هذه الوحدة تشكلت صورتنا الإسلامية والعربية الأصيلة التي لم تكن مجرد حدود جغرافية بل كانت (طبعاً) و(خلقاً) يسكن الوجدان. ومن أسس هذه الصورة الأصيلة برزت العلاقة النموذجية الفريدة التي تربط بين القيادة والشعب. إنها علاقة حب فطري تسكن السليقة لا تعرف طعم الإكراه ولا الإجبار. إنها محبة تربينا عليها من آبائنا وأجدادنا وسنغرسها في أجيالنا لتبقى حية كالحياة نفسها. فما أجملها من علاقة وما أعظمه من حب فقادتنا حفظهم الله ليسوا بعيدين بل هم قريبون من مواطنيهم يحملون في دواخلهم مشاعر صادقة لا تعرف الحدود يلمسون هموم الناس قبل نطقها ويفرحون لفرحهم كما يفرح الأب لأبنائه. وليس طبعنا الذي نعتز به إلا تلك الأخلاقيات التي تقطر كرماً وتفيض تسامحاً وحباً لفعل الجميل وعمل الجليل. طبعنا هو النخوة والفزعة هو الوقوف إلى جانب المتضررين وجبر خواطر المنكسرين وإدخال السرور على قلوب المهمومين. نحن شعب يحب بصدق وإذا أحب جاره أو أحداً من المعارف أو الأصدقاء تفانى في خدمته وصان جواره. إنسانيتنا هي حصننا وكرمنا هو هويتنا وتسامحنا هو الذي جعل من هذه الأرض (قبلة للقلوب قبل أن تكون قبلة للعبادات).
ولم تقف هذه الطباع الكريمة عند حد المواطنين فحسب بل تجاوزتها لتشمل كل مقيم عاش على ثرى هذه الأرض. فمنذ أن تطأ أقدامهم أرضنا يجدون أنفسهم أمام مجتمع لا يعرف التمييز بل يحتضن الجميع بقلب واحد. ولذلك حين يحين وقت الرحيل ويعود بعضهم إلى بلده الأصلي يفاجأ بشعور غريب لا يعرفه شعور بالغربة لأنه تعود أن يكون جزءاً من كل، أن يكون أحد أفراد المجتمع السعودي يسلم عليه في الطريق ويدعى إلى مائدة جاره ويطمئن عليه إذا غاب. هذا ليس كرماً عابراً بل هو طبع تأصل فينا جعل من المقيم أخاً قبل أن يكون ضيفاً. ومهما تغيرت الأمور وتقلبت الظروف وتعددت المواقف يصعب علينا أن نتغير لأن هذه الطباع لم تكن مثل قشوراً هشة نلبسها بل هي جزء من تركيبتنا الجينية من دمنا ولحمنا ووجداننا. نحن لا نتصنع الكرم ولا نتكلف النخوة بل هي فطرة سليمة ودين قويم وتربية أجيال. قد تتغير حولنا الوجوه وتتبدل الأحداث لكن جوهرنا يبقى ثابتاً كالجبال أصيلاً كالأرض نقياً كالماء.
وفي نهاية المطاف وحين نعود إلى أنفسنا في جوف الليل، نوقن يقيناً جازماً أن ما يفعل من إحسان وما يبذل من كرم وما يقدم من فزعة ونخوة ليس مجرد عادات اجتماعية بل هو عبادة يؤجر عليها وقربى يتقرب بها إلى رب العالمين. مع إدراكنا في نهاية الأمر أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً وأن كل بسمة أسعدنا بها قلباً وكل دمعة مسحناها عن خد منكسر وكل يد مددناها لمحتاج هي شهادات تكتب لنا وأجر يدخر في صحائف الأعمال.
وفي هذه اللحظة وقد داعب النوم عيوني وتمايلت الأفكار في رأسي أدركت حقيقة أن (عزنا بطبعنا) ليس شعاراً نحتفي به يوماً واحداً في العام بل هو هوية نعيشها كل يوم ومنهج حياة مستمر معنا. هو ديننا الذي يسكن قلوبنا وقيادتنا التي تعمل من أجلنا وشعبنا الذي يمتد إحسانه ليشمل كل من وطأت قدمه أرضنا.
لقد كان يوماً وطنياً حافلاً وفرحة متواصلة لكن أجمل ما فيه هو تلك اللحظات التي سبحت خلالها في بحار شعار يومنا الوطني لأكتشف أن وطننا ليس مجرد أرض نمشي عليها بل هو طبع كريم وقلب كبير وإنسانية لا تعرف الحدود. وقد يكون من المناسب إقامة حلقات نقاشية وورش عمل ينظمها الشباب في المدارس والجامعات والأندية الرياضية والثقافية ويشاركون فيها من أجل تعميق شعار يومنا الوطني الذي هو منهج حياة وخارطة طريق لمجتمع إنساني فريد.
دام عز وطننا وقيادتنا وشعبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى