المقالات

كنوز مكة المخبوءة: حكاية المكتبات الخاصة

منذ فجر الحضارة ظلّ الكتاب الرفيق الأوفى للإنسان، يحمل المعرفة عبر الأجيال ويصون ذاكرة الأمم من الضياع. وقد عرفت الحضارة الإسلامية اهتماماً استثنائياً بالكتب والمكتبات، فإلى جانب المكتبات العامة الكبرى ظهرت مكتبات خاصة أسسها العلماء والأدباء ومحبو المعرفة، وحفظت كثيراً من النوادر والمخطوطات التي لم تصل إلى المكتبات الرسمية.

وتزخر كتب التراث بأمثلة لافتة لمكتبات خاصة بلغت شهرة واسعة، مثل مكتبة الخليفة الحكم المستنصر في الأندلس، ومكتبة ابن الفتح، ومكتبة جمال الدين القفطي. وكانت بعض هذه المكتبات تضم مئات الآلاف من المجلدات، بينما خصص أصحابها النساخ والورّاقين لخدمة العلم ونشر المعرفة.

وتتميّز المكتبات الخاصة بقيمة علمية ووثائقية فريدة؛ فهي لا تقتصر على الكتب المطبوعة أو المخطوطة، بل تضم أحياناً مراسلات شخصية، وتعليقات بخطوط العلماء، وإهداءات نادرة، وهو ما يجعلها مصدراً مهماً للباحثين والمؤرخين. ولهذا يحرص المهتمون بالتراث على حفظها ورعايتها بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية للأمة.

ومن الطرائف التي يذكرها المؤرخون ما رُوي عن التابعي الجليل محمد بن جبير، الذي جمع كتبه في غرفة خاصة وأغلق عليها باباً، ثم أوصى بأن يُعطى مفتاحها لكل طالب علم يحتاج إلى كتاب منها، في صورة مبكرة لفكرة إتاحة المعرفة للجمهور.

أما مكة المكرمة فقد عرفت عبر تاريخها عدداً كبيراً من المكتبات الخاصة التي أنشأها العلماء والأدباء، ومن أشهرها مكتبات الشريف الدين، وتقي الدين الفاسي، والشيخ محمد سرور الصبان، والشيخ حسن مشاط، وعبدالله بن دهيش، وأحمد محمد فقي، وغيرهم من أعلام مكة الذين أسهموا في حفظ التراث العلمي والثقافي للمدينة.

وتبرز أهمية هذه المكتبات اليوم في احتوائها على مجموعات نادرة قد لا تتوافر في أي مكان آخر. فكثير من الدراسات الحديثة اعتمدت على أوراق ومخطوطات وكتب محفوظة في مكتبات شخصية، مما يؤكد أن هذه المكتبات ليست مجرد مقتنيات خاصة، بل مؤسسات ثقافية مصغرة تسهم في خدمة البحث العلمي وصون التراث.

لذلك فإن المحافظة على المكتبات الخاصة، وفهرسة محتوياتها، ودعم مبادرات إهدائها أو إتاحتها للباحثين، تمثل مسؤولية ثقافية مشتركة. فكل مكتبة خاصة قد تخفي بين رفوفها وثيقة نادرة أو مخطوطاً فريداً يضيء جانباً من تاريخ مكة أو من تاريخ الحضارة الإسلامية بأسرها.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى