المقالات

خارج دائرة التصفيق: في الدفاع عن القائد البشري

طال بنا المقام ونحن ندور في دائرة مغلقة عنوانها “القائد المثالي”. دائرة لا تمنح التصفيق الحار إلا لمن لا يخطئ، ولا يغضب، ولا تتبدل ملامحه مهما اشتدت الأزمات. دائرة رسمت للقائد صورة ملائكية، فإذا زلّ لسانُه بكلمة حزم جلدناه، وإذا صمت على خطأ مدحناه، وكأن القيادة قناع يُلبس لا مواقف تُتخذ.

آن الأوان أن نخرج من هذه الدائرة الوهمية، وأن نعترف أن القيادة عمل بشري قبل أن تكون منصباً إدارياً.

أولاً: كسر صنم الكمال الإداري
لا أحد من البشر معصوم إلا الأنبياء. والقائد الذي يواجه شلليةً داخل فريقه، ويتألم من تآمر خفي، ويصبر على الأذى مرة بعد مرة، ثم يرفع صوته مرة واحدة ليضع حداً للعبث… ليس قائداً فاشلاً فقد اتزانه. بل هو قائد حيّ يحسّ ويتفاعل.
المشكلة أننا نحاكم اللحظة وننسى السياق. نحاسب القائد على انفعالةٍ سبقتها مئة موقف صبر، وننسى سنين عطاءٍ خلف تلك اللحظة. الكمال لله وحده، وأما البشر فميزانهم يتأرجح بين الحلم والحزم.

ثانياً: الحزم ليس نقيض الاتزان
أفسدتنا مقولةٌ اختزلت الاتزان الانفعالي في الصمت الدائم وابتسامة لا تفارق الوجه. فصار كل قائد يضطر لرفع نبرته لتقويم اعوجاج متهماً بفقدان الهيبة وضعف الشخصية.
والحقيقة التي يجب أن تُقنّن: الاتزان ليس غياب رد الفعل، بل ضبطه. هو أن تملك مفتاح انفعالك فتُظهره حين يستدعي الموقف حسماً، وتكبحه حين يكون الصبر أبلغ.
أحياناً كلمة واحدة بحزم توقف شلليةً عبثت بشهور. وأحياناً نظرةٌ حادة تُعيد التوازن لغرفةٍ ظنّت أن القائد لا يرى ولا يفهم. هذا ليس انهياراً مهنياً، بل هو قمة المسؤولية.

ثالثاً: القيادة بثلاثة أوجه لا بوجهٍ واحد
بيئة العمل الصحية لا تُبنى على وجهٍ واحد للقائد. بل تحتاج ثلاثة أوجه متكاملة:
1. وجه الهدوء : في معظم الأوقات ليُبنى الاحترام والثقة.
2.  وجه الحزم : عند تجاوز الحدود لترسم الخطوط الحمراء بوضوح.
3.  وجه الانفعال المنضبط : في اللحظة الحرجة لتوصل رسالة لا تحتمل التأويل: “أنا أرى، وأفهم المغزى، ولن أسمح بالتمادي”.

من حبس القائد في وجه الهدوء فقط، فقد حوّله من قائدٍ ملهم إلى موظف استقبال يبتسم رغم الألم، حتى يفقد الفريق هيبته واحترامه له بالتدريج.

خاتمة: من التصفيق للمثالي إلى تقدير الواقعي
لنكفّ عن عبادة “القائد المثالي” ولنبدأ بتقدير “القائد الواقعي”. القائد الذي يجتهد فيصيب، ويخطئ فيعتذر، ويصبر فيُحمد، ويحزم فيهاب.
أيها الفريق، قبل أن ترفعوا سياط النقد على زلة قائدكم، تذكروا جبال الصبر التي حملها قبلكم. واحترموا نية الحزم كما تحترمون ابتسامة المجاملة.

فالهيبة لا تُقاس ببرود الملامح، بل بحرارة الموقف حين يحتاج الموقف حرارة. وهناك فقط، خارج دائرة التصفيق الحار، يولد القائد الحقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى