مستشار اقتصادي
ترسم أسعارُ الفائدة ملامحَ الاقتصادات الحديثة، وتوجِّه مسارات الاستثمار، وتؤثر في تكلفة التمويل، ومستويات الادخار والإنفاق، وحركة الأسواق، حتى غدت إحدى أكثر أدوات السياسة النقدية قدرةً على صناعة الاستقرار الاقتصادي. وأسعارُ الفائدة ليست مجرد أرقامٍ تعلنها البنوك المركزية، بل مؤشرٌ يعكس توجهات الاقتصاد، وأداةٌ تُوازن بين احتواء التضخم، وتحفيز النمو، وصون الثقة بالأسواق.
ومع نهاية يوليو 2026، فضّلت كبرى البنوك المركزية تثبيت أسعار الفائدة للمرة الخامسة على التوالي، في قرار يجسد نهجًا يقوم على الحذر أكثر من المغامرة، وعلى قراءة المؤشرات الاقتصادية أكثر من الاستجابة للضغوط الآنية. فالتضخم، رغم تراجع وتيرته في عدد من الاقتصادات، لم يغادر دائرة القلق، كما أن الحفاظ على زخم النمو أصبح ضرورة لا تقل أهمية عن كبح ارتفاع الأسعار، الأمر الذي يجعل التوازن بين الهدفين عنوانًا رئيسًا للسياسة النقدية في المرحلة الراهنة.
وفي المملكة العربية السعودية، يكتسب هذا التوجه أهمية خاصة في ظل ارتباط الريال بالدولار الأمريكي، بما يجعل أثر السياسة النقدية العالمية حاضرًا في تكلفة التمويل، وأسعار القروض، والتمويل العقاري، والسيولة، والقدرة الشرائية. وفي المقابل، يعزز الاستقرار النقدي ثقة المستثمرين، ويدعم تنافسية الاقتصاد الوطني، ويوفر بيئة مالية أكثر قدرة على تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، القائمة على التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية.
وتبقى السياسة النقدية الناجحة هي التي تُحسن إدارة التوازن، لا التي تُفرط في التشديد أو تتوسع في التيسير. فليست قوة الاقتصادات في ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاضها، بل في كفاءة توظيفها، وحسن توقيتها، وقدرة صناع القرار على تحويلها من أداة لضبط الأسواق إلى رافعة للنمو المستدام، واستقرار الأسعار، وتعزيز رفاه الإنسان وازدهار الأوطان.