المقالات

فقدنا هيف بن عبود

لَعَمْرُكَ ما الرزيةُ فقدُ مالٍ
ولا فرسٌ يموتُ ولا بعيرُ

ولكنَّ الرزيةَ فقدُ حرٍّ
يموتُ لموتِه خلقٌ كثيرُ

مات العظيم في كرمه وتواضعه، هيف بن عبود القحطاني، وخسرت الجنوب رجلًا عظيمًا لا يُعوَّض.

قال عنه صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال، أمير منطقة عسير، في مقاله الرثائي: «آمن بقصة صعود عسير؛ لأن الإيمان عنده كان فعلًا قبل أن يكون قولًا، وكان يؤمن بأن الأفكار العظيمة تمر بثلاث مراحل، وهي: الشك، ثم المقاومة، ثم القبول».

وعندما وُصف الفقيد هيف بن عبود بالعظيم، فلأنه لا يؤمن بالأفكار العظيمة إلا عظماء الرجال. وهو الكريم لكرمه مع المحتاجين، وصفات العظيم والكريم والأمين وصفٌ فعليٌّ لواقعه المُعاش.

أقول ذلك بوصفي شاهد عصر تابعت مواقفه العظيمة وكرمه في وقف جامعة الملك خالد، الذي أثنى عليه أمير عسير بكلام صادر من القلب إلى القلب في مقر الجامعة.

وكما قال عنه في مرثيته: «إن أعظم الوفاء للرجال الأوفياء بعد رحيلهم ألّا تسمح للوفاء أن يرحل معهم، فبقاء الوفاء هو أعظم وفاء».

وتابعت مواقفه العظيمة مع قبيلته، ومواقفه النبيلة مع الضعفاء والمساكين والمعسرين وذوي الإعاقة، كما تابعت عظمة إنسانيته وصدقه وحبه للناس في مختلف المجالات.

حفر مشواره في صخر الحياة، وعمل سائق سيارة أجرة، وفي معرض للسيارات، وبحث عن مصادر الرزق النقي الحلال بكل عفة وكرامة، حتى رفع الله شأنه، وأصبح من أبرز رجال الأعمال في السعودية. ولم يغيّره المال ولا الجاه، واستمر على سجيته وطيبته وتواضعه وكرمه مع الجميع.

التقيت به مرات قليلة، وقد تشرفت باستلام مقر جمعية الأطفال المعوقين الجديد بمدينة أبها، بتكليف من صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز. وحرصت على فتح نافذة للتواصل مع المسؤولين ورجال الأعمال، ووجهت إليهم الدعوات، فوعدني الفقيد بالزيارة في أقرب فرصة متاحة.

وبعد عدة أسابيع فوجئت بزيارته لمقر الجمعية، وأبلغته أنني كنت أنوي الاتصال به لأشرح له توجيهات الأمير سلطان بن سلمان بإقامة مسابقة للقرآن الكريم في مركز أبها، وقلت له: كنت أبحث عن داعمين لهذه المسابقة الخيرية الخاصة بهذه الفئة.

فقال: «مستعد أن أقدم لكم مليون ريال، ولي شرط واحد».

قلت: وما الشرط؟

قال: «إذا نقص عليكم المبلغ فأبلغني لأغطي المطلوب، ولا تتحدث مع غيري».

فسررت من موقفه العظيم، وقلت له: وأنا لي شرط.

قال: وما هو؟

قلت: إذا تبقى شيء من المليون فلا نرده إليك، بل يدخل في حساب الجمعية الرئيس في الرياض للاستفادة منه في مجالات أخرى.

فوافق فورًا.

ولا يتسع المجال لسرد مواقفه العظيمة، ولا المواقف التي جمعتني به، ويكفي أننا فقدنا رجلًا عظيمًا بكل ما تعنيه الكلمة.

وعزاؤنا أنه خلّف أبناءً بررة سيحملون هذه السيرة العطرة، وإن أثقلت كاهلهم، وسيسيرون على نهج والدهم العظيم بكل اقتدار.

سنودّع الدنيا ويُنسى أمرُنا
إلا الذي قد كان يومًا ذا أثرْ

كم ميتٍ ونراه حيًّا بيننا
والحيُّ ذو ذكرٍ عَفِيٍّ مندثرْ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى