هناك رجالٌ لا يُعرَفون بكثرة حديثهم، بل بأثرهم العميق في النفوس. ومنصور بن عبدالعزيز التركي – رحمه الله – كان واحدًا منهم. جاء إلى حياتنا بخفة الحكيم، وهيبة المعلّم، ووداعة المؤمن، فلم يكن حضوره صاخبًا، ولا كلماته كثيرة، لكنها كانت إذا قيلت استقرت في القلوب قبل الآذان.
ودّعنا كما عاش بيننا؛ بصمتٍ يملؤه الوقار، وهدوءٍ يفيض بالرضا. رحل الجسد، لكن بقيت كلماته ونصائحه، وكأنها تزورنا كل يوم، تذكّرنا بما كان يدعونا إليه من خير، وتنبهنا إلى ما يغفل عنه الناس.
وما أشد ألم الفراق حين يرحل من كنا نظن أن الأيام ستمنحنا معه لقاءاتٍ أكثر، وحديثًا أطول، وذكرياتٍ أوسع. رحل قبل أن نرتوي من مجالسته، وقبل أن نشبع من مؤانسته، فكان الفقد أكبر من أن تصفه الكلمات.
كان صاحب سيرةٍ حسنةٍ تُبهر من عرفه، وحسن خلقٍ يأسر القلوب دون تكلف. يحفظ لسانه، فلا يتكلم إلا فيما يعنيه، ويترفع عن اللغو، ويبتعد عن كل حديثٍ لا يشوبه الخير. فإذا تكلم، أصغى الناس لكلامه، وإذا نصح، خرجت النصيحة من قلبٍ محب، وإذا صمت، كان في صمته من الحكمة ما يغني عن كثير من الكلام.
رحمك الله يا أبا عبدالعزيز، رحمةً واسعة، وجعل ما تركته من أثرٍ طيب، وسيرةٍ حسنة، وعلمٍ نافع، وأخلاقٍ كريمة، في ميزان حسناتك. نسأل الله أن يرفع درجتك في عليين، وأن يجعل قبرك روضةً من رياض الجنة، وأن يجمعنا بك في دارٍ لا فراق فيها ولا حزن، في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.