تحقيقات وتقارير

إنسانية بلا حدود: ريادة سعودية تصنع الأمل عالميًا

تقرير وثائقي وحوار استراتيجي يستعرضان المنظومة الإغاثية لـ “مركز الملك سلمان للإغاثة” وحوكمة الدعم الدولي

الرياض_ تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ مكانتها كقوة إنسانية رائدة على مستوى العالم، من خلال نهج متكامل ومستدام في العمل الإغاثي والإنساني. ولم يعد هذا العطاء مجرد استجابة ظرفية أو مؤقتة للأزمات، بل تحول إلى مسار مؤسسي راسخ يعكس عمق القيم الإنسانية التي تقوم عليها الدولة. وتتجلى هذه الريادة بوضوح عبر “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذراع الإنساني التنفيذي للمملكة، الذي يقود عملياتها الإغاثية والتنموية في مختلف دول العالم لمد يد العون للأكثر تضرراً دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجغرافيا.
وللوقوف على أبعاد هذه المنظومة ومؤشراتها الرقمية والميدانية المحدثة حتى يونيو 2026م، التقت صحيفة “مكة” الالكترونية بالأستاذ شلهوب بن عبدالله الشلهوب مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام بالمركز، ليرسم لنا خارطة طريق العطاء السعودي العابر للقارات، ويسلط الضوء على آليات الانتقال بالعمل الإغاثي من قوالبه التقليدية إلى آفاق التنمية المستدامة وحوكمة الدعم الدولي.

أولاً: التحول النوعي وحوكمة العطاء الدولي:
منذ تأسيسه في عام 2015، استطاع المركز أن يُحدث تحولاً نوعيًا وهيكليًا في آليات العمل الإنساني الدولي، عبر تبني أفضل الممارسات والمعايير العالمية، وتوطيد الشراكات الاستراتيجية مع المنظمات الأممية والإقليمية. وقد أسفرت هذه الحوكمة الصارمة عن قفزات استثنائية في كفاءة الاستجابة السريعة وعمق التأثير التنموي، لتتجاوز المساعدات الخارجية الكلية للمملكة حاجز 145 مليار دولار أمريكي شملت أكثر من 175 دولة حول العالم، مما يعكس التزاماً راسخاً بالاستقرار السلمي والإنساني.

وحول آليات إدارة هذا الثقل الرقمي، توجهنا بسؤالنا الأول للأستاذ شلهوب الشلهوب

تخطت القيمة الإجمالية لمشاريع مركز الملك سلمان للإغاثة حاجز الـ 8.47 مليار دولار شملت 113 دولة.
س: كيف ينجح المركز في إدارة هذه المنظومة الضخمة بكفاءة ميدانية عالية وضمان تطبيق أعلى معايير الحوكمة والشفافية الدولية؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: تستند إدارة هذه المنظومة الإنسانية الممتدة إلى نموذج مؤسسي متكامل يرتكز بالدرجة الأولى على التخطيط الاستراتيجي المستقبلي والحوكمة الفاعلة. نحن لا ندير مجرد مساعدات، بل نقود منظومة رقابية صارمة تبدأ من التقييم المسبق وتستمر عبر المتابعة اللصيقة لكافة مراحل التنفيذ ميدانياً. هذا الالتزام الصارم بأعلى المعايير الدولية يضمن لنا تحقيق أقصى درجات كفاءة الأداء وشفافية التدفقات المالية، مما يسهم بشكل مباشر في صون أمانة العمل الإنساني، وضمان وصول الدعم كاملاً إلى مستحقيه الفعليين، لتعظيم الأثر الإيجابي المستدام في المجتمعات المستهدفة.

ثانياً: التوزيع القطاعي والمشاريع العامة:
تتوزع المشاريع العامة للمركز (والتي تشمل 2,980 مشروعًا عامًا بقيمة 8.31 مليار دولار) على حزمة من القطاعات الحيوية لضمان تلبية الاحتياجات العاجلة ودعم التعافي المبكر واستدامة المجتمعات المعوزة:
• الأمن الغذائي والزراعي: 1,185 مشروعاً بقيمة 2,304,183,858 دولار أمريكي.
• الصحة والرعاية الطبية: 739 مشروعاً بقيمة 2,123,038,238 دولار أمريكي.
• دعم وتنسيق العمليات الإنسانية: 67 مشروعاً بقيمة 1,122,201,995 دولار أمريكي.
• الإيواء والمواد غير الغذائية: 266 مشروعاً بقيمة 657,940,919 دولار أمريكي.
• قطاعات متعددة ومدمجة: 128 مشروعاً بقيمة 599,189,564 دولار أمريكي.
• الحماية والسلامة: 99 مشروعاً بقيمة 394,979,767 دولار أمريكي.
• المياه والإصحاح البيئي: 149 مشروعاً بقيمة 341,499,877 دولار أمريكي.
• التعليم وبناء القدرات: 155 مشروعاً بقيمة 259,889,473 دولار أمريكي.
• التعافي المبكر والبنية التحتية: 78 مشروعاً بقيمة 217,143,409 دولار أمريكي.
• التغذية والرعاية الصحية للأطفال: 30 مشروعاً بقيمة 193,178,691 دولار أمريكي.
• الخدمات اللوجستية والتموين: 19 مشروعاً بقيمة 65,900,730 دولار أمريكي.
• الأعمال الخيرية والمجتمعية: 64 مشروعاً بقيمة 23,644,214 دولار أمريكي.
• الاتصالات في حالات الطوارئ: مشروع واحد بقيمة 16,000,000 دولار أمريكي.
هذا التحول القطاعي المدروس يقودنا إلى نقاش فلسفة المركز في الانتقال بالدول المستفيدة من مرحلة العوز إلى مرحلة الإنتاج، وهو ما يوضحه الشلهوب على سؤالنا

انتقل المركز برؤيته من مجرد تقديم المساعدات العاجلة والظرفية إلى مشاريع التعافي المبكر والتمكين الاقتصادي للمجتمعات المحلية.
س: كيف تسهم هذه النقلة النوعية في تقليل اعتماد الدول المستفيدة على المساعدات مستقبلاً وتحقيق استدامتها المعيشية؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: إن الانتقال الاستراتيجي من ‘الإغاثة الآنية’ إلى ‘التمكين والتعافي المبكر’ يمثل فلسفة المركز في صناعة الاستدامة. نحن نؤمن بأن العطاء الحقيقي يكمن في تحويل المجتمعات المستهلكة للمساعدات إلى مجتمعات منتجة قادرة على الاعتماد على ذاتها. من هنا، تأتي مشاريعنا في التمكين الاقتصادي وبناء القدرات المحلية لتوفر للأفراد الأدوات والمهارات ومقومات كسب العيش الكريم. هذه الرؤية لا تقتصر على تضميد الجراح المؤقتة، بل تبني أساساً متيناً يعزز مرونة المجتمعات وقدرتها الذاتية على مواجهة الصدمات والتحديات الاقتصادية المستقبلية بشكل مستقل.

ثالثاً: الخارطة الجغرافية والبيئات المعقدة:

جاء توزيع مساعدات المركز وفق أولويات ميدانية دقيقة تستهدف المناطق الأكثر تضرراً من النزاعات والأزمات؛ وتتصدر القائمة ست دول رئيسية حظيت بالنصيب الأكبر من الدعم، وفي مقدمتها الجمهورية اليمنية الشقيقة التي جسدت نموذجاً استثنائياً في الإغاثة الإنسانية العابرة للحدود:
• الجمهورية اليمنية: حظيت بالنصيب الأكبر بـ 1,213 مشروعاً بقيمة تجاوزت 4.72 مليار دولار (55.77% من الإجمالي). وتتوزع أبرز قطاعاتها على الأمن الغذائي والزراعي (156 مشروعاً بقيمة 1.50 مليار دولار)، والصحة (403 مشاريع بقيمة 1.01 مليار دولار).
• الجمهورية العربية السورية: 520 مشروعاً بقيمة 583,117,483 دولار أمريكي (6.88%)، تصدرها قطاع الإيواء والمواد غير الغذائية بـ 79 مشروعاً (152.4 مليون دولار).
• دولة فلسطين: 154 مشروعاً بقيمة 540,479,922 دولار أمريكي (6.38%)، جاء أبرزها في قطاعات متعددة مدمجة بقيمة 209 ملايين دولار.
• جمهورية الصومال: 161 مشروعاً بقيمة 255,849,690 دولار أمريكي (3.02%).
• جمهورية باكستان الإسلامية: 353 مشروعاً بقيمة 228,337,675 دولار أمريكي (2.69%).
• جمهورية السودان: 273 مشروعاً بقيمة 189,942,576 دولار أمريكي (2.24%). وعن كيفية إدارة هذه العمليات المعقدة والوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً في هذه البيئات الصعبة، يجيبنا الأستاذ شلهوب الشلهوب في هذين المحورين:

تستحوذ الجمهورية اليمنية الشقيقة على النصيب الأكبر من مشاريع المركز بنسبة تجاوزت 55% وبقيمة فاقت 4.7 مليارات دولار .
س: ما هي المنهجية التي اتبعها المركز لضمان وصول هذه المساعدات الحيوية إلى مستحقيها بكفاءة في ظل التحديات اللوجستية والميدانية المعقدة هناك؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: العمل في اليمن الشقيق يمثل نموذجاً للتحدي اللوجستي والميداني المعقد، ولكننا نواجه هذا الواقع بمنهجية علمية دقيقة قائمة على رصد الاحتياجات الفعلية والملحة مباشرة من أرض الواقع. نرتكز في عملياتنا الميدانية على تحالفات وثيقة وشراكات متينة مع منظمات دولية ومحلية موثوقة تمتلك القدرة على التحرك بمرونة. وتتكامل هذه الجهود مع تفعيل أنظمة تقنية متطورة للمتابعة والرقابة اللحظية، مما أتاح للمركز تجاوز كافة العوائق الجغرافية والسياسية، وضمان التدفق الآمن والعادل للمساعدات الحيوية إلى كافة المحافظات اليمنية دون استثناء، وصولاً إلى الفئات الأكثر تضرراً.

يمتد الدعم السعودي ليشمل مناطق أزمات ساخنة ومتضررة من نزاعات أو كوارث طبيعية مثل سوريا وفلسطين والصومال وباكستان والسودان.
س: كيف يتعامل المركز ميدانياً مع تحديات الوصول الآمن وتقديم خدمات الإيواء والأمن الغذائي في بيئات جغرافية متباينة وصعبة؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: الاستجابة الإنسانية في مناطق النزاعات الساخنة والكوارث الطبيعية تتطلب مرونة استثنائية وقدرة عالية على التكيف الديناميكي. يتعامل المركز مع هذه البيئات الجغرافية والسياسية المتباينة من خلال صياغة خطط طوارئ نوعية ومخصصة لطبيعة كل أزمة على حدة. نعتمد بشكل أساسي على شبكة واسعة من الشركاء الدوليين والأميين والمؤسسات الأهلية المحلية التي تمتلك امتداداً جغرافياً آمناً. هذا التنسيق رفيع المستوى يمكننا من اختراق التحديات اللوجستية، وتأمين ممرات الوصول، وتقديم حزم متكاملة من خدمات الإيواء الطارئ والأمن الغذائي المستعجل بفاعلية وسرعة تضمن صون الكرامة الإنسانية.

رابعاً: المسؤولية الاجتماعية والمشاريع التطوعية الكلية:

يجسد المركز قيم التكافل الإنساني ونقل المعرفة عبر ذراعه التطوعي، حيث نفذ 1,406 برامج تطوعية حول العالم بقيمة كليّة بلغت 155,215,582 دولار أمريكي. وقد حظي القطاع الصحي والتأهيلي بالمرتبة الأولى من التدخل التطوعي بـ 1,327 مشروعاً طبيعياً بقيمة 147.3 مليون دولار، تليها برامج تمكين المجتمعات والتمكين الاقتصادي بـ 16 مشروعاً تنموياً مستداماً بقيمة تجاوزت 3.2 ملايين دولار.
وحول تضحيات الكوادر السعودية المتطوعة في الميدان وعمق التأثير الإنساني التاريخي للمملكة،

تكشف لغة الأرقام في المركز عن قفزة استثنائية في البرامج التطوعية الكلية التي بلغت 1,406 برامج حول العالم، لا سيما البرامج الصحية.
س: كيف أسهمت هذه الكوادر الطبية والتطوعية السعودية في تعزيز القوة الناعمة والدبلوماسية الإنسانية للمملكة ميدانياً؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: إن القفزة الكبيرة في البرامج التطوعية التي وصلت إلى 1,406 برامج تعكس الجوهر النبيل للمواطن السعودي. إن الكوادر الطبية والتطوعية التي تعمل تحت راية المركز في مختلف ميادين العالم تمثل الذراع الحي والدبلوماسية الإنسانية الناعمة للمملكة العربية السعودية. هؤلاء المتطوعون يقدمون في الميدان نموذجاً حياً ومشرّفاً يجسد قيم العطاء والتضامن الإنساني الراسخة في هويتنا وثقافتنا. وقد أحدثت تضحياتهم وخبراتهم الطبية أثراً شفائياً وإنسانياً مباشراً في حياة الملايين، مما ساهم في ترسيخ الصورة الذهنية للمملكة كمنارة عالمية للخير والسلام والعمل الإنساني النبيل.

  مع تجاوز إجمالي المساعدات الخارجية للمملكة تاريخياً حاجز 145 مليار دولار شملت أكثر من 175 دولة؛  س_كيف ينعكس هذا الثقل الإنساني على مكانة المملكة؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: هذا الرقم التاريخي المتمثل في تقديم أكثر من 145 مليار دولار لـ 175 دولة ليس مجرد إحصائية، بل هو وثيقة التزام تاريخي للمملكة بدعم الاستقرار والسلم والتنمية المستدامة على الصعيد العالمي. هذا الثقل الإنساني يعزز من مكانة المملكة السياسية والدبلوماسية كشريك استراتيجي موثوق وصانع أساسي للقرار الإنساني الدولي. كما يمنحنا هذا الدور الريادي فرصة صياغة وتوجيه السياسات الإغاثية الدولية بالتعاون مع المنظمات الأممية، مما يسهم في رفع كفاءة العمل الإنساني العالمي وتطوير آلياته ليكون أكثر استجابة للاحتياجات البشرية.

نجح المركز في ترسيخ صورة ذهنية للمملكة كشريك دولي موثوق في العمل الإنساني؛
س: كيف تترجم إدارة العلاقات العامة والإعلام هذه الإنجازات والأرقام الميدانية الضخمة إلى رسائل اتصالية تصل بوضوح إلى الرأي العام العالمي والمنصات الدولية؟
الأستاذ شلهوب الشلهوب: في إدارة العلاقات العامة والإعلام، لا نتعامل مع الأرقام كبيانات جامدة، بل نحولها إلى رسائل اتصالية نابضة بالحياة. استراتيجيتنا الإعلامية تقوم على صناعة محتوى توثيقي احترافي ومبني على النتائج الملموسة وقصص النجاح الواقعية للمستفيدين، مع إبراز عمق الشراكات الدولية. نحن نوظف أحدث المنصات الرقمية والإعلامية وبثنائية اللغة للوصول بذكاء إلى الرأي العام المحلي والدولي والمؤسسات الأممية. رسالتنا واضحة: تقديم الحقيقة الميدانية الموثقة التي تعكس بكل أمانة وشفافية الدور القيادي والرسالة الإنسانية السامية التي تحملها المملكة للعالم أجمع.

س: ماذا لديك من كلمة توجيهية عبر صحيفة مكة لوسائل الإعلام الدولية والمحلية حول الدور التوثيقي المطلوب لمواكبة الجهود الإنسانية التي تنطلق من المملكة نحو “إنسانية بلا حدود”؟
يختتم الأستاذ شلهوب الشلهوب حديثه الشامل لـ صحيفة مكة بتوجيه رسالة لوسائل الإعلام قال: رسالتي لوسائل الإعلام كافة هي أن الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث، بل هو شريك استراتيجي أصيل وعصب نابض في جسد العمل الإنساني. إن الدور المطلوب اليوم يتجاوز التغطية الإخبارية التقليدية إلى التوثيق العميق للأثر، ورصد قصص الأمل والبناء والتحول التنموي التي تصنعها سواعد الخير السعودية حول العالم. نأمل من منصاتنا الإعلامية المحلية والدولية مواصلة هذا العطاء المهني بنقل رسالة المملكة الإغاثية بكل أبعادها الأخلاقية والإنسانية، ليبقى صوت العطاء عالياً، وليعلم العالم أن رحلة ‘إنسانية بلا حدود’ مستمرة في خدمة الإنسان وصون كرامته أينما كان.

ختامًا
إن هذا التقرير الوثائقي المدعوم ببيانات وحوار الشفافية، يبرهن على أن العطاء السعودي لا تحده حدود جغرافية أو قيود ظرفية، بل هو رسالة إنسانية نبيلة ومستمرة تمتد حيثما وُجدت الحاجة، ليبقى مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية شاهداً حياً على ريادة المملكة الإنسانية التي تلامس وتحمي مجتمعات العالم المستهدفة بكل فخر واعتزاز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى