«وللحديث بقية»
يمر الوعي الاجتماعي في العصر الراهن بمنعطف تاريخي غير مسبوق، حيث أعادت منصات الإعلام الجديد صياغة أدوات تشكيل الرأي العام وتوجيه المجتمعات.
فبعد عقود طويلة احتكرت فيها المؤسسات الإعلامية التقليدية والنخب الأكاديمية صياغة الرسائل المعرفية وبثها وفق أطر مهنية منضبطة، أتاح الفضاء الرقمي المفتوح للجميع شرف الكلمة ومنبر الظهور.
ومع هذا التحول الديمقراطي في نشر المعلومة، برزت معضلة كبرى تتمثل في مدى قدرة هذا الإعلام البديل على بناء وعي مجتمعي حقيقي ومتزن، أم أنه بات أداة لتسطيح العقول وتزييف الوعي الجمعي؟
إن أولى المظاهر المقلقة في مشهد الإعلام الجديد هي ظاهرة “الاستسهال المعرفي” وتراجع دور النخب الحقيقية لصالح “مؤثري الصدفة” والـ “خوارزميات”.
لقد تراجعت القراءة العميقة والتحليل الرصين لحساب مقاطع الفيديو القصيرة والمنشورات السريعة التي لا تتجاوز بضائعها الثقافية القشور.
هذا التسطيح الممنهج أنتج ما يمكن تسميته بـ “وهم المعرفة”، حيث يخيّل للمتلقي الرقمي أنه بات خبيراً ومحللاً في شؤون السياسة، الاقتصاد، والاجتماع، بمجرد متابعته لبضعة حسابات تفتقر للحد الأدنى من التخصص والموضوعية.
إن تصدير “المؤثر الرقمي” كمرجعية فكرية أو اجتماعية، دون النظر لعمقه المعرفي، يساهم في تغييب العقل النقدي واستبداله بوعي قطيعي يساق بخلفية زر “الإعجاب” وإحصاءات “إعادة النشر”.
ولم يقتصر التأثير على الجانب المعرفي الفكري فحسب، بل امتد ليعبث بالبنية الأخلاقية والاجتماعية من خلال ما يُعرف بـ “تسليع الخصوصية الأسرية” أو “الأبوة والأمومة الرقمية” (Digital Parenting).
ففي سباق محموم نحو حصد التفاعلات وتأمين عقود الإعلانات، تحولت تفاصيل الحياة اليومية والبيوت الآمنة إلى “محتوى مشاع”، والأخطر من ذلك هو الزج بالأطفال في هذا الأتون الافتراضي، واستغلال براءتهم وعلاقتهم بوالديهم كبضاعة تجارية لجلب المشاهدات وتحقيق المكاسب المادية.
هذا السلوك الرقمي المنفلت لا ينتهك حقوق الطفل وخصوصيته المستقبلية فحسب، بل يبث في المجتمع وعياً مشوهاً يربط قيم التلاحم الأسري بالاستعراض المادي والتكسب المالي، مما يخلق حالة من “الاستهلاك التفاخري” والإحباط الاجتماعي لدى الأسر التي تعجز عن مجاراة هذه الصورة الخيالية والمصطنعة للواقع.
وأمام هذا التمدد العبثي في استغلال الطفولة، تحركت الحوكمة التشريعية لضبط هذا الفضاء؛ حيث أقرت هيئة تنظيم الإعلام السعودية حظراً صارماً يمنع استغلال الأطفال في الظهور في أي محتوى إعلامي أو إعلاني يهدف إلى التكسب أو ينتهك براءتهم وخصوصيتهم.
هذا الحظر القانوني لم يكن مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هو صمام أمان حقيقي جاء ليعيد الخط الفاصل بين العفوية الإنسانية وبين الاتجار بالطفولة تحت غطاء “صناعة المحتوى”، مؤكداً على أن كرامة الطفل وحمايته النفسية تتقدم على أي اعتبارات ربحية أو تفاعلية في الفضاء الافتراضي.
إن مواجهة هذا الطوفان الرقمي لا تعني الانكفاء على الذات أو الدعوة لمقاطعة وسائل العصر، بل تتطلب بالضرورة بناء “حصانة مجتمعية” تتكامل فيها التشريعات القانونية الحازمة مع مفهوم التربية الإعلامية الرقمية.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق المؤسسات التعليمية، التربوية، والنخب المثقفة، والإعلام المحترف، لإعادة الاعتبار للعقل النقدي الذي يحلل، ويفكك، ويمحص الرسائل الإعلامية قبل تبنيها.
يجب أن ينتقل الفرد من مربع “المستهلك الشره” للمحتوى الرقمي إلى مربع “المتلقي الواعي” الذي يملك بوصلة التمييز بين الغث والسمين؛ فوعي المجتمع وأمنه الفكري هما الثروة الحقيقية التي لا يجوز تركها نهباً لأهواء العبث الرقمي أو رهن خطوط الخوارزميات العابرة.



