عام

هل ما زالت القيم تُورَّث؟

«وللحديث بقية»

تُشكل مسألة توريث القيم الإنسانية والاجتماعية حجر الزاوية في فهم استمرارية المجتمعات البشريّة، إلا أن طرح هذا السؤال اليوم لم يعد ترفاً فكرياً بل أضحى ضرورة ملحة تفرضها التحولات الهيكلية العميقة في بنية العلاقات الإنسانية. إن الإجابة الموضوعية عن هذا التساؤل لا تنحو باتجاه النفي المطلق أو التأكيد التبسيطي، بل تؤكد أن القيم لا تزال تُورّث، ولكن ضمن قنوات ومسارات جديدة تماماً غيّرت من طبيعة “المنتج القيمي” وآليات تشكّله في وعي الأجيال الجديدة، مما خلق حالة من الصدام غير المعلن بين جيل الاستقرار الفكري وجيل السيولة الرقمية.
تاريخياً، كانت عملية التنشئة الاجتماعية تسير وفق خطوط واضحة المعالم، حيث تضطلع الأسرة والمحيط الجغرافي والمؤسسات التقليدية بدور المورد الحصري والمهيمن على المنظومة الأخلاقية والسلوكية للفرد. كان هذا التوريث يتسم بالثبات والموثوقية التاريخية نتيجة انغلاق الدوائر الثقافية المحيطة بالنشء. أما اليوم، فقد دخلت على خط التربية “تنشئة موازية” تقودها الخوارزميات وتديرها منصات التواصل العابرة للقارات، وهي تنشئة تتميز بالذكاء الفائق والقدرة على النفاذ إلى الوعي دون استئذان، مما سحب البساط تدريجياً من تحت أقدام المؤسسات التربوية التقليدية، وتحول الأبناء من مستهلكين للقيم المحلية إلى متفاعلين مع قيم عولمية منفتحة.
هذا التحول الجذري في مصادر التلقي يفسّر بوضوح تلك الفجوة الجيلية التي يشعر بها الآباء اليوم، والتي تتجلى في تبني الأبناء لأنماط تفكير وسلوكيات قد تبدو هجينة أو مغتربة عن بيئتهم. إن السبب في ذلك لا يعود إلى تمرد جيل الشباب بقدر ما يعود إلى صعود ثقافة “الفردانية وتحقيق الذات” التي تروج لها الرأسمالية الحديثة، مقابل تراجع قيم الامتثال للمجتمع والعائلة الممتدة. يضاف إلى ذلك أن الأجيال المعاصرة تقضي ساعات طوال في فضاءات افتراضية تصمم الخوارزميات محتواها بدقة متناهية لتلائم رغباتهم، مما يولد لديهم منظومة أخلاقية وجمالية مستقلة، تكاد تنفصل عن الرقابة الأبوية والموروث المجتمعي.
ومع ذلك، فإن القول بإن الأجيال الجديدة باتت بلا قيم هو تشخيص قاصر يفتقر إلى العمق السيكولوجي والاجتماعي. إن القيم في جوهرها الإنساني كالصدق والعدالة والبحث عن المعنى لا تتلاشى، بل تمر بحالة من التحور وإعادة الصياغة لتناسب العصر الرقمي. فالقيم التي كانت تُمارَس في سياقات محلية ضيقة، باتت تظهر اليوم في أشكال جديدة تتماشى مع العولمة، كالنشاط البيئي، والتضامن الإنساني الرقمي العابر للحدود، والدفاع عن الحقوق التقنية. كما أن علم النفس الحديث يؤكد مراراً أن الأبناء لا يرثون من آبائهم الخطب الوعظية، بل يرثون السلوكيات والممارسات الحية؛ وبالتالي فإن الفجوة القيمية غالباً ما تتسع عندما يلحظ النشء تناقضاً بين ما يلقنه لهم المجتمع نظرياً وما يمارسه واقعياً.
إن النتيجة الحتمية التي ينبغي الانطلاق منها هي أن التوريث القيمي لم ينقطع، بل تحوّل من أسلوب التلقين الأحادي الحتمي إلى مسار تفاعلي نقدي وتنافسي. وفي عالم يموج بالخيارات والبدائل الفكرية، لم يعد مجدياً ممارسة دور “الحارس” الذي يفرض الوصاية بالقوة، بل أصبحت الحاجة ملحة للانتقال نحو دور “الموجه المحاور”. إن استمرار انتقال القيم وثباتها في المستقبل مرهون بقدرة المؤسسات التربوية والاجتماعية على بناء جسور وعي حقيقية مع الأجيال الجديدة، تقوم على الإقناع وصناعة القدوة الفعلية، وتقديم الأصالة في قالب يتناسب مع لغة العصر الحالية وأدواته المعقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى