From makkah to the worldالرياضيةتحقيقات وتقارير

إرث كأس العالم 2026 في أتلانتا.. السياحة والمتطوعون وكرة القدم المجتمعية بعد انتهاء المباريات

أنهت أتلانتا مشاركتها في كأس العالم 2026 بعد استضافة ثماني مباريات، اختُتمت بمواجهة نصف النهائي بين الأرجنتين وإنجلترا في 15 يوليو، لكن الاختبار الأهم للمدينة يبدأ بعد مغادرة المنتخبات والجماهير: هل تتحول أسابيع البطولة إلى أثر سياحي ورياضي ومجتمعي مستدام، أم تبقى مجرد فترة مزدحمة بالأرقام والاحتفالات؟

استقبل ملعب أتلانتا 544,516 متفرجًا خلال المباريات الثماني، فيما تجاوز حضور مهرجان المشجعين المجاني نصف مليون زائر. وشهدت المدينة مشاركة أكثر من ألفي متطوع، إلى جانب برامج رياضية ومجتمعية تستهدف إبقاء كرة القدم حاضرة في الأحياء بعد انتهاء البطولة.

 

المونديال يغادر.. والمدينة تحتفظ بالسؤال

على مدى شهر تقريبًا، تغير إيقاع أتلانتا مع وصول جماهير من ثقافات ودول متعددة، وانتقال أجواء البطولة من الملعب إلى الشوارع والساحات العامة والمطاعم ووسائل النقل.

واستضافت المدينة خمس مباريات في دور المجموعات، ومباراة في دور الـ32، وأخرى في دور الـ16، ثم مباراة نصف النهائي، لتسجل أول ظهور لها بوصفها مدينة مستضيفة لكأس العالم، بعدما غابت عن قائمة مدن مونديال الولايات المتحدة عام 1994.

غير أن نجاح المدينة في تشغيل المباريات لا يكفي وحده لصناعة الإرث. فالحدث الرياضي الكبير ينتهي بمجرد إطلاق صافرة المباراة الأخيرة، بينما تبدأ قيمة الاستضافة الحقيقية عندما تستمر المنشآت والبرامج والخبرات والعلاقات التي أنشأتها البطولة في خدمة السكان.

ومن هنا، لا يُقاس إرث أتلانتا بعدد المقاعد الممتلئة فقط، بل بقدرتها على تحويل الاهتمام المؤقت بكرة القدم إلى مشاركة مجتمعية مستمرة، وتحويل ظهورها العالمي إلى زيارات واستثمارات مستقبلية، والحفاظ على شبكة المتطوعين والخبرات التشغيلية التي تكونت خلال البطولة.

نصف مليون زائر في مساحة عامة

كان مهرجان المشجعين في «حديقة المئوية الأولمبية» أحد أبرز مكونات تجربة أتلانتا خارج الملعب. وعلى مدى 19 يومًا، استقبلت الحديقة أكثر من 500 ألف زائر، بمتوسط تجاوز 27 ألف زائر يوميًا، عبر عروض مباشرة للمباريات وحفلات موسيقية وتجارب ثقافية ومطاعم وأنشطة مخصصة للعائلات.

وتحمل عودة الحديقة إلى واجهة حدث عالمي دلالة خاصة؛ إذ ارتبطت سابقًا بدورة الألعاب الأولمبية التي استضافتها المدينة عام 1996. وبدل إنشاء منطقة جماهيرية معزولة عن النسيج الحضري، جرى توظيف مساحة عامة قائمة وربطها بالملعب والفنادق ومركز المؤتمرات ومحطات النقل.

ويكشف هذا النموذج أن المنطقة الجماهيرية لا ينبغي أن تكون مجرد شاشة عملاقة لمشاهدة المباريات، بل منصة لعرض هوية المدينة وثقافتها وموسيقاها ومأكولاتها ومجتمعاتها المحلية.

أما الإرث المتوقع، فيتوقف على قدرة أتلانتا على مواصلة استخدام الحديقة في الفعاليات الرياضية والثقافية، والاستفادة من الخبرة التشغيلية المكتسبة، بدل أن تنتهي التجربة بإزالة تجهيزات المهرجان.

البطولة تدخل الأحياء عبر محطات النقل

أكثر مشروعات الإرث وضوحًا في أتلانتا هو مشروع StationSoccer، الذي تنفذه لجنة الاستضافة بالشراكة مع هيئة النقل العام «MARTA» ومنظمة «Soccer in the Streets».

يقوم المشروع على إنشاء ملاعب كرة قدم مصغرة بالقرب من محطات النقل، بما يربط ممارسة الرياضة بسهولة الوصول، ويحول بعض المحطات إلى مراكز مجتمعية تجمع بين برامج الشباب والتعليم والمساحات العامة والخدمات المحلية.

وكانت ستة ملاعب قد أُنشئت عند محطات مختلفة، فيما يجري تنفيذ الموقع السابع في محطة «هاملتون إي هولمز» بوصفه مشروع الإرث المرتبط باستضافة كأس العالم. ويهدف المشروع إلى توفير وصول مجاني ومستمر للأطفال إلى كرة القدم بعد انتهاء البطولة.

وتكمن أهمية المشروع في أنه لا يحصر إرث المونديال داخل الملعب الذي احتضن المباريات، بل ينقله إلى الأحياء التي قد لا يتمكن سكانها من شراء التذاكر أو حضور الحدث.

كما أنه يجمع الرياضة بالنقل والتعليم وتنشيط الفضاء العام، وهو ما يحول الملعب المصغر من منشأة رياضية منفردة إلى نقطة اتصال مجتمعية.

4500 طفل خارج حدود وسط المدينة

امتد الأثر المجتمعي للبطولة إلى شراكة مع أندية الفتيان والفتيات في ولاية جورجيا، استفاد منها أكثر من 4500 شاب وطفل عبر برامج تعتمد على كرة القدم.

ولم تقتصر البرامج على وسط أتلانتا، بل استهدفت مجتمعات ومدنًا متعددة في الولاية، في محاولة لتوسيع نطاق الاستفادة من البطولة خارج المناطق المحيطة بالملعب ومهرجان المشجعين.

وهذه النقطة أساسية في تقييم عدالة الإرث؛ لأن البطولات الكبرى قد تتركز مكاسبها السياحية والتجارية في مناطق محددة، بينما تتحمل المدينة بأكملها كلفة الاستضافة والتغييرات التشغيلية.

لذلك يصبح وصول البرامج إلى الأطفال والمجتمعات البعيدة مؤشرًا أكثر أهمية من عدد الحضور وحده، بشرط استمرار التدريب والأنشطة وتوفير المدربين والمعدات بعد انطفاء الزخم الإعلامي.

المتطوعون.. رأس مال بشري لا ينتهي بانتهاء المناوبات

شارك أكثر من ألفي متطوع في برنامج أتلانتا، ونفذوا ما يزيد على 10 آلاف مناوبة، بإجمالي تجاوز 55 ألف ساعة تطوعية خلال البطولة. وتوزعت أدوارهم بين استقبال الزوار، والإرشاد، ودعم العمليات، وخدمة مهرجان المشجعين والمواقع المرتبطة بالحدث.

وتوفر هذه الأرقام أساسًا لبناء إرث تطوعي، لكنها لا تضمنه تلقائيًا. فالإرث يبدأ عندما تتحول قاعدة بيانات المتطوعين إلى شبكة مستمرة، وتُوثق المهارات التي اكتسبوها، وتُمنح لهم مسارات للمشاركة في أحداث مستقبلية أو العمل في قطاعات السياحة والرياضة والفعاليات.

أما إنهاء البرنامج فور انتهاء البطولة، فيعني فقدان آلاف الساعات من التدريب والخبرة الميدانية والتواصل مع الزوار وإدارة الحشود.

وبالنسبة للمدن المستضيفة للأحداث الكبرى، يمكن تحويل المتطوعين إلى «سفراء للمدينة»، وربط مشاركتهم بسجل مهاري وشهادات مهنية وفرص مستقبلية، بدل التعامل معهم بوصفهم قوة تشغيلية مؤقتة.

النقل جزء من تجربة المدينة

أظهرت بيانات لجنة الاستضافة أن شبكة «MARTA» نقلت أكثر من 2.5 مليون راكب خلال فترة البطولة، بزيادة قاربت 200% على مستويات الاستخدام المعتادة، فيما ربطت الخطة المخصصة للمسافة الأخيرة بين محطات النقل ومواقف السيارات والملعب والفنادق ومركز المؤتمرات.

وشارك أكثر من 200 طالب وخريج من كلية سافانا للفنون والتصميم في تطوير عناصر بصرية وتفاعلية وتقنية، من بينها نظام إرشادي يساعد الزوار على التنقل سيرًا على الأقدام في وسط المدينة.

ويتمثل الإرث هنا في المعرفة التشغيلية التي أنتجتها التجربة: أين تركزت حركة الزوار؟ وما المسارات الأكثر استخدامًا؟ وما نقاط الازدحام؟ وكيف استجاب الركاب للعلامات الإرشادية والنقل العام؟

وتستطيع المدينة استخدام هذه البيانات لتحسين تجربة الفعاليات المقبلة وتطوير الحركة حول وسط المدينة، بدل الاحتفاظ بالخطة بوصفها وثيقة مرتبطة بالمونديال فقط.

السياحة تبحث عن زيارة ثانية

تنظر أتلانتا إلى كأس العالم بوصفه حملة تعريف عالمية بالمدينة، لا مجرد سلسلة مباريات. وقد استقبلت الفعاليات زوارًا ووفودًا إعلامية وتجارية من عشرات الدول، بينما سجلت حسابات لجنة الاستضافة أكثر من 140 مليون ظهور رقمي بين مطلع يونيو و15 يوليو.

ويرى مسؤولو السياحة المحليون أن الظهور الدولي الذي تحقق خلال البطولة يمكن أن يعزز مكانة أتلانتا وجهةً للترفيه والمؤتمرات والأحداث الرياضية، ويشجع الزوار الذين تعرفوا إليها خلال المونديال على العودة إليها لاحقًا.

وكان تحليل أُعد خلال مرحلة الترشح قد قدّر صافي المنفعة الاقتصادية المتوقعة لأتلانتا بنحو 415 مليون دولار، إلا أن الرقم يظل تقديرًا سابقًا للبطولة، وليس قياسًا نهائيًا لما تحقق فعليًا.

ولهذا تحتاج المدينة إلى تقرير أثر مستقل يقيس الإنفاق السياحي، ونسب إشغال الفنادق، وفرص العمل، واستفادة المنشآت الصغيرة، وتوزيع المكاسب جغرافيًا، وأعداد الزوار الذين عادوا إلى المدينة بعد البطولة.

150 فعالية صنعت مونديالًا خارج الملعب

نظمت المؤسسات المحلية أكثر من 150 فعالية وتجمعًا لمشاهدة المباريات في أنحاء المنطقة، ما وسّع المشاركة إلى ما يتجاوز حاملي تذاكر الملعب وزوار المهرجان الرسمي.

وتوضح هذه الفعاليات أن المدينة المستضيفة لا تحتاج إلى حصر تجربة المونديال في موقع مركزي واحد. فالأنشطة الصغيرة داخل الأحياء والمراكز الثقافية والمطاعم والجامعات تمنح السكان فرصة للمشاركة، وتوزع الحركة الاقتصادية، وتسمح لكل مجتمع بتقديم البطولة بلغته الثقافية الخاصة.

كما أن توثيق الجهات التي نظمت هذه الأنشطة يوفر قاعدة لشبكة مجتمعية يمكن استدعاؤها في بطولات وفعاليات لاحقة.

المونديال محطة لا خاتمة

لا تبدأ قصة كرة القدم في أتلانتا بكأس العالم ولا تنتهي بها. فالمدينة تضم نادي أتلانتا يونايتد، كما افتُتح بالقرب منها المركز الوطني الدائم للاتحاد الأمريكي لكرة القدم، الذي أسهم مالك النادي والملعب آرثر بلانك في تمويله بـ50 مليون دولار.

وتستعد المدينة لإطلاق فريق في الدوري الوطني لكرة القدم للسيدات عام 2028، كما تسعى إلى أن تكون ضمن المدن المستضيفة لكأس العالم للسيدات 2031.

ويمنح هذا التسلسل أتلانتا فرصة لتحويل كأس العالم 2026 إلى حلقة ضمن مسار رياضي طويل، وليس حدثًا منفصلًا. فاستمرار البطولات والفرق وبرامج الفئات السنية يساعد على الاحتفاظ بالجمهور والخبرات والمنشآت والاهتمام الإعلامي.

لكن النجاح الحقيقي سيظهر في مؤشرات أكثر عمقًا: ارتفاع مشاركة الأطفال، وزيادة أعداد المدربين، واستمرار الملاعب المجتمعية، وعودة السياح، واستفادة الأحياء والمنشآت الصغيرة، وانتقال المتطوعين إلى فرص جديدة.

ماذا تتعلم مدن مونديال السعودية 2034؟

تستضيف المملكة كأس العالم 2034 في خمس مدن هي الرياض وجدة والخبر وأبها ونيوم، ضمن تصور يتضمن 15 ملعبًا وعشرة مواقع مقترحة لمهرجانات المشجعين. وتؤكد رؤية الاستضافة السعودية أن إرث البطولة يستهدف تنمية كرة القدم، وتوفير الفرص، ودعم النمو المجتمعي، وتوسيع المشاركة التطوعية.

وتقدم تجربة أتلانتا عددًا من الدروس المبكرة للمدن السعودية:

1. تحديد مشروع إرث لكل مدينة قبل البطولة

يمكن أن تمتلك كل مدينة مشروعًا واضحًا ومعلنًا يرتبط باحتياجاتها؛ مثل ملاعب الأحياء، أو مراكز تدريب الشباب، أو المسارات الرياضية، أو تطوير الساحات العامة.

2. تحويل مهرجانات المشجعين إلى منصات للهوية المحلية

لا تكون المهرجانات مجرد مواقع لمشاهدة المباريات، بل مساحات تعرض تراث الرياض وجدة والخبر وأبها ونيوم، وموسيقاها وفنونها ومأكولاتها ومشروعاتها الإبداعية.

3. بناء منظومة مستدامة للمتطوعين

ينبغي توثيق ساعات المتطوعين ومهاراتهم وتدريبهم، وربطهم بفرص العمل والفعاليات المستقبلية، وإنشاء قاعدة وطنية للكوادر التي اكتسبت خبرة في الاستقبال والإرشاد والبروتوكول وإدارة الحشود.

4. توزيع الفعاليات على الأحياء والمحافظات

تتيح المشاهدة المجتمعية والأنشطة الرياضية المصاحبة وصول المونديال إلى السكان الذين لا يحضرون المباريات، كما تساعد على توزيع الأثر الاقتصادي والاجتماعي خارج محيط الملاعب.

5. الاحتفاظ بالبنية التشغيلية

يمكن إعادة استخدام أنظمة الإرشاد، ومراكز المتطوعين، وخطط النقل، والمنصات الرقمية، ومعدات الفعاليات في مواسم السياحة والبطولات الوطنية والدولية اللاحقة.

6. قياس الأثر بعد البطولة

ينبغي ألا ينتهي التقرير عند أعداد الحضور؛ بل يتابع لعدة سنوات مؤشرات المشاركة الرياضية، والسياحة، والوظائف، والمنشآت الصغيرة، والتطوع، واستخدام المساحات العامة، وجودة حياة السكان.

الخلاصة

نجحت أتلانتا في ملء الملعب والساحة العامة، وتشغيل شبكة نقل ومتطوعين وفعاليات مجتمعية واسعة. لكنها لم تثبت إرثها الكامل بعد؛ لأن الإرث لا يظهر في اليوم التالي للمباراة الأخيرة.

سيُقاس نجاح المدينة بما إذا ظل الأطفال يستخدمون ملاعب المحطات، واستمرت شبكة المتطوعين، وعاد الزوار، وانتقلت الخبرة إلى أحداث جديدة، وتحولت الصورة العالمية التي صنعتها البطولة إلى نمو مستدام.

فالمدينة لا تحتفظ بالمونديال عبر التذكارات والصور وحدها، بل عندما يصبح ما أُنشئ من أجل أربعة أسابيع جزءًا من حياة السكان لسنوات.

 

«نأمل أن يكتشف الزوار مدى تميز أتلانتا وتنوعها».
— دان كورسو، رئيس لجنة أتلانتا المستضيفة.

«الظهور العالمي للبطولة سيواصل دعم السياحة وتعزيز سمعة أتلانتا وجهةً عالمية».
— وليام بات، رئيس مكتب أتلانتا للمؤتمرات والزوار.

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى