كتاب الرأي

في الذكرى 96 ليومنا الوطني: قاعدة متينة لصرح شامخ وقيادة ملهمة وشعب نبيل (2)

لعل أهم مظهر من مظاهر نجاح التجربة السعودية نجاح القائد المؤسس الملك عبد العزيز -يرحمه الله- – في استرداد ملك أجداده وتأسيس دولة مترامية الأطراف وإنشاء نظامًا راسخًا لا يتزعزع، ولم يكن ذلك بالأمر الهين، فتلك مهمة تكاد تكون مستحيلة، كما يذكر الأستاذ محمد حسنين هيكل «تعهد بها المقادير لرجال لا يتكررون بسهولة، ذلك أن تأسيس الدول وإنشاء النظم يحتاج أول ما يحتاج إلى إرادة تستطيع في لحظة استثنائية أن تحرك التفاعل الكيميائي الخلاق بين الجغرافيا والتاريخ، مما يولد ويفجر طاقة فعل هائلة”.
لقد مكنت الشخصية الفذة للملك عبد العزيز من بناء دولة عظيمة تحتل اليوم مكانة مرموقة في كافة المحافل الإقليمية والدولية؛ إذ لا تزال المملكة العربية السعودية -بثقلها الإقليمي الكبير- تسير وفق الأسس والمبادئ ذاتها التي أرساها جلالته. ولقد خاض الملك عبد العزيز قرابة ثلاثين معركة خلال ثلاثين عامًا تكللت كلها بالنجاح عندما اكتملت ملحمة توحيد أجزاء المملكة في دولة موحدة توفرت لها كافة عوامل النجاح والثبات والبقاء.
لقد كان هذا الملك الأسطوري قائداً استثنائيًا يتمتع برؤية ثاقبة وخيال واسع، ووضع المملكة العربية السعودية على مسار التحديث.
جاءت انطلاقته التاريخية الأولى حين استعاد مدينة الرياض عام 1902؛ وبذلك بدأت مرحلة جديدة في تاريخ الدولة السعودية الحديثة، حيث أُعلن عن بدء عهد الملك عبد العزيز من برج قصر المصمك: “الملك لله ثم لعبد العزيز”. وكانت شبه الجزيرة العربية قبل ذلك تعاني من انقسام وتشتت كبيرين بين قبائل متناحرة؛ غير أن جلالته كان على دراية واسعة بتقاليدهم وطبائعهم وما تكنّه صدورهم. وبفضل شخصيته الكاريزمية وعقليته القيادية، نجح في كسب ودهم وولائهم، كما عمل على تنظيم هذه القبائل ضمن نظام سياسي موحد ومتماسك.
ومن القرارات السياسية الذكية الأخرى التي اتخذها الملك عبد العزيز، تبنيه موقف الحياد إزاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918م)؛ فلم يعلن الحرب على الدولة العثمانية، وفي الوقت نفسه لم يقاتل إلى جانب البريطانيين، مما دفع الطرفين للتنافس على كسب وده، وهو ما أكسبه المزيد من المؤيدين بعد انتهاء الحرب. وبدأ نجم الملك عبد العزيز يسطع عالميًا مع بداية الأربعينيات، تحديدًا عام 1943م عندما نشرت عنه مجلة لايف الأمريكية تحقيقًا مطولا تحت عنوان : “ابن سعود ملك السعودية ملك صنع مملكة” أجراه رئيس تحرير المجلة” نويل بوش” ويرافقه مصور المجلة ” روبرت لاندري”.
وتصدّرت صورة الملك عبد العزيز جالسا على كرسي غلاف المجلة لعددها الصادر في 31 مايو 1943م ، مبرزة أهمية تلك الشخصية السياسية، ووصفت المجلة الملك عبدالعزيز بأنه أحد أقوى الرجال في عصره، وقام بعمل عظيم لا مثيل له في تلك المرحلة الحرجة.
وترسخت صورة الملك عبد العزيز كشخصية قيادية عالمية بارزة بعد لقائه التاريخي الهام بالرئيس الأمريكي روزفلت على ظهر الطراد كوينسي في 14 فبراير 1945 لدى عودته من اجتماع يالطا.
ولعل من أهم مظاهر نجاح التجربة السعودية سرعة اعتراف دول العالم بها بدءًا من الدول الكبرى بالمملكة العربية السعودية لدى الإعلان عن قيامها في 23/09/1932، مما كان له الأثر الكبير في انخراط المملكة في المجتمع الدولي والتفاعل مع قضاياه، لا سيما على إثر اعتبارها من الدول المؤسسة للجامعة العربية وللأمم المتحدة.
وقد احتلت قضايا الأمتين العربية والإسلامية حيزًا كبيرًا من اهتمام جلالته، وبالأخص القضية الفلسطينية التي كانت شاغله الشاغل وهمه الأكبر.
وشكل البعد الإنساني مكون أساس في الشخصية القيادية للملك عبد العزيز، ويحكي الريحاني أن الملك عبد العزيز كان رحيمًا حتى مع الحيوانات، ولا سيما الإبل. ويروي قصةً طريفة بهذا الصدد؛ إذ كان الملك يراقب -وهو في خيمته المعروفة بـ “المأمونة”- قافلةً من الإبل تنقل الخضروات والمياه من الأحساء، فأمر بإحضار المسؤول عن القافلة وسأله عن جملٍ لفت انتباهه. فأجابه الرجل بأنه من النوع الوحشي الذي يمتنع عن الأكل، فأمر الملك بترك الجمل ليرعى مع إبل الجيش وألا يعيده معه. ويشير الريحاني إلى أن هذا الموقف يبرز مدى رحمة الملك؛ فمن لا ينصف جمله، لا ينصف الناس.
وكان الملك عبد العزيز يكنُّ مودةً كبيرةً لأفراد أسرته، وخصوصاً والده. وفي إحدى مرات الحج، حين لاحظ أن والده المسن يجد صعوبةً في المشي، بادر الملك بحمله حتى أتم مناسكه.
ومن بين جميع إخوته، كانت الأميرة نورة هي الأقرب إلى قلبه؛ فكان يقول: “أنا أخو نورة ، أنا أخو الأنوار”. وكان يحرص على زيارتها يومياً في منزلها.
ومن السمات الشهيرة للملك احترامه الكبير للعلماء؛ إذ كان يفسح لهم المجال في مجالسه الملكية، ويستمع إليهم، ويعبّر عن آرائه حول قيمة العلم والعلماء وأثرهم في الحياة.
ما ذكرته سابقًا لا يمثل إلا غيض من فيض من سيرة وإنجازات الباني الموحد مؤسس هذا الكيان الشامخ من خلال سيرته العطرة نستذكرهنا بعض جوانبها في ذكرى يومنا الوطني لنؤكد للأجيال الصاعدة من أبناء الوطن أن بلادنا غير، فهي أولاً وقبل أي شيء بلاد الحرمين الشريفين، وهي بعد ذلك بلادًا اختصها المولى عز وجل بأنها بلدة طيبة، وقد تميزت بموقع جيو سياسي واقتصادي متميز، وبأنها بلد التسامح والوسطية والاعتدال، وبلد مثالي في مجتمعها الدولي من خلال احترامها للمواثيق والأعراف والقرارات الدولية، ومن خلال دورها في العمل على إرساء دعائم الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة وفي العالم.
في ذكرى يومنا الوطني نردد جميعنا وبصوت واحد: اللهم احفظ مملكتنا الحبيبة أرضًا ومقدسات وقيادة وشعبًا وأدم علينا نعم الأمن والسلام والاستقرار والرخاء.

د. سونيا أحمد مالكي

طبيبة - مديرة إدارة الصحة المدرسية بتعليم جدة سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى