أصبح تمكين القيادات الشابة أحد المرتكزات المهمة لبناء مؤسسات أكثر حيوية وقدرة على التجدد، وركيزة لتحقيق التنمية المستدامة وصناعة اقتصاد يراهن على الطاقات والكفاءات الجديدة. لكن هذا الهدف السامي يفقد معناه حين يُختزل في إصدار قرارات التكليف، وكأن وضع شاب على كرسي قيادي يكفي للقول إننا مكّنّا الشباب. فثمة فرق كبير بين أن تكلّف شاباً وأن تمكّنه. التكليف يمنحه المنصب، أما التمكين فيمنحه الثقة والصلاحية والمساحة لاتخاذ القرار وتحمل مسؤوليته. وما يحدث أحياناً هو تكليف بقيادة منزوعة الأدوات؛ شاب يحمل المسمى، بينما تظل خيوط القرار في يد المدير الذي اختاره، فلا يستطيع أن يتحرك إلا بعد الرجوع إليه في كل صغيرة وكبيرة.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض المديرين لا يبحث عند اختيار القيادات الشابة عن الأكثر كفاءة أو الأقوى شخصية، بل قد يفضّل من يضمن أنه لن يستقل بقراره، ولن يعارضه، ولن يخرج عن المسار المرسوم له. فالقائد الكفء قد يناقش، وصاحب الخبرة قد يعترض، وصاحب الشخصية القيادية قد يقول: «لدي رأي آخر». أما ضعيف الشخصية فيدرك جيداً من الذي منحه المنصب، وقد يصبح الحفاظ عليه أهم لديه من ممارسة دوره الحقيقي. وهنا ينقلب معيار الاختيار من سؤال: من يستطيع أن يقود؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من نستطيع أن نقوده؟
والمشكلة هنا لا تقف عند شخص حصل على منصب لا تتوافر فيه مقوماته، بل تمتد إلى ثقافة إدارية كاملة؛ لأنها تبعث برسالة محبطة للكفاءات مفادها أن الاستقلالية قد تصبح عائقاً، وأن الجرأة المهنية ليست دائماً طريقاً للتقدم، وأن الوصول إلى بعض المواقع قد يكون أسهل لمن يجيد الموافقة أكثر ممن يجيد القيادة. وحين تستقر هذه الرسالة داخل المؤسسة، تبدأ الكفاءات إما بالصمت أو بالابتعاد، ويتصدر المشهد من أتقن قراءة رغبات المسؤول، لا من أتقن صناعة القرار. والصورة ذاتها قد تتكرر عند اختيار المستشارين. فبعض المديرين يحيط نفسه بأشخاص يدينون له بمواقعهم، فيصبح همّ الواحد منهم الحفاظ على رضا من اختاره، لا تقديم الرأي الذي يحتاج المسؤول إلى سماعه. وهكذا تتحول الاستشارة من مساحة للرأي الآخر إلى دائرة مغلقة تعيد على المدير أفكاره نفسها بصياغات مختلفة.
والمدير الذي لا يتقبّل رأياً مخالفاً لا يحتاج في الحقيقة إلى مستشارين؛ إنه يبحث عن مطبلين. فالمستشار الحقيقي ليس من يقول للمسؤول ما يحب سماعه، بل من يملك المعرفة والشجاعة ليقول له ما ينبغي أن يسمعه. وقيمة المستشار تظهر عندما يرى ما لم يره المدير، أو يعترض على قرار يعتقد أنه غير صائب، لا عندما ينتظر اتجاه الريح ثم يصوغ رأيه بما يتوافق معها. ومن أخطر البيئات الإدارية تلك التي يفهم العاملون فيها، من دون أن يقال لهم صراحة، أن للاختلاف ثمناً وللموافقة مكافأة. عندها يتوقف الناس عن طرح الأسئلة الصعبة، وتتراجع المبادرات الجريئة، ويصبح الاجتماع ناجحاً لأن الجميع وافق، لا لأن القرار خضع لنقاش حقيقي. ثم قد يتفاجأ المسؤول لاحقاً بنتائج قراراته، رغم أن حوله عدداً كبيراً من المستشارين والمديرين؛ لأن أحداً منهم لم يكن مستعداً ليقول له في الوقت المناسب: أنت مخطئ.
والتمكين الحقيقي لا يُقاس بعدد الشباب الذين صدرت لهم قرارات تكليف، ولا بعدد الصور والأخبار التي تتحدث عن ضخ دماء جديدة في المواقع القيادية. المقياس الحقيقي أسهل في طرحه، وأصعب في تطبيقه: ما الصلاحيات التي مُنحت لهم؟ وكم قراراً يستطيعون اتخاذه؟ وهل يستطيع أحدهم أن يختلف مع مديره دون أن يخشى على منصبه؟ فالمدير الناجح لا يُقاس بعدد الأشخاص الذين يرجعون إليه في كل صغيرة وكبيرة، ولا بعدد القرارات التي تنتظر موافقته. نجاحه الحقيقي يظهر عندما يبني قيادات تستطيع التفكير واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية من دونه. أما أن تبقى كل الخيوط في يده، ثم يوزع المسميات القيادية على الآخرين، فذلك لا يصنع صفاً ثانياً من القادة، بل يصنع صفاً أول من التابعين.
ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله بجيل القيادات الشابة هو أن نمنحه المناصب ونحرمه من تجربة القيادة؛ لأننا بذلك لا نهدر فرصة الحاضر فحسب، بل نؤجل صناعة قادة المستقبل. فالقيادة لا تُتعلم بالتوقيع أسفل اسم المدير، وإنما بالممارسة والقرار والتجربة والخطأ وتحمل النتائج. لذلك، قبل أن نحتفي بأي حديث عن تمكين القيادات الشابة، علينا أن نطرح سؤالاً أكثر صدقاً: هل نريد فعلاً شباباً يقودون، أم نريد وجوهاً شابة تنفذ ما يقرره الآخرون؟ فالشاب الذي يجلس على كرسي القيادة ولا يملك قراره ليس قائداً مُمكَّناً، مهما كان المسمى كبيراً، والمدير الذي يخشى من قوة من يعملون معه لن يصنع قيادات مهما كثرت قرارات التكليف. فإما أن نمنح الشباب الثقة والصلاحية، ونقبل أن يكون لهم رأي وقرار… أو لنتوقف عن تسمية التكليف تمكيناً.

