كتاب الرأي

وطن المنجزات.. وأمير السلام

أكتب هذه السطور والرياض تستقبل قادة وخبراء ومختصين من دول العالم في النسخة الرابعة من منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع القمة العالمية للذكاء الاصطناعي. وفي الأيام نفسها نستعد للاحتفاء باليوم الوطني السعودي، فتجتمع أمامنا ذكرى التوحيد وصورة المستقبل في مشهد واحد.

اختيار الرياض لهذه الفعاليات يعكس المكانة التي وصلت إليها المملكة. أصبحت بلادنا قبلة للقمم والمنتديات والمؤتمرات والبطولات الكبرى، وصار اسمها حاضرًا في الملفات السياسية والاقتصادية والتقنية والثقافية والرياضية.

يأتي العالم إلى السعودية اليوم لمناقشة قضايا المستقبل، ومنها أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وحماية الإنسان، وتنظيم استخدام التقنية، وتحويل المبادئ إلى تطبيقات وسياسات. قبل سنوات كان هذا النوع من القضايا يُناقش بعيدًا عن منطقتنا، واليوم تشارك المملكة في صياغة رؤيته العالمية، وتستضيف صناع القرار والخبراء على أرضها.

هذه المكانة جاءت نتيجة عمل طويل ورؤية واضحة وإرادة آمنت بقدرات الوطن وأبنائه. شهدت المملكة خلال سنوات قليلة تحولات كبيرة في الاقتصاد والتقنية والسياحة والثقافة والتعليم والرياضة وجودة الحياة. انفتحت فرص جديدة أمام الشباب والفتيات، وظهرت قطاعات لم تكن حاضرة بهذا الحجم، وتحولت مدن المملكة إلى ورش عمل تستعد للمستقبل.

وعندما نحتفي بهذه المنجزات في يوم الوطن، نتذكر أن قوة المملكة لم تفصلها يومًا عن محيطها العربي والإسلامي والخليجي.

منذ تأسيسها، حملت المملكة مسؤولية تتجاوز حدودها الجغرافية. مكانتها الدينية، وثقلها الاقتصادي، وعلاقاتها الدولية، ودورها السياسي، كلها وضعتها في قلب قضايا العرب والمسلمين. تعاملت مع هذه المكانة بحكمة، ووجهت إمكاناتها لخدمة الاستقرار، وإغاثة الشعوب، وجمع الكلمة، وفتح أبواب الحوار.

وعلى المستوى الخليجي، ظلت المملكة سندًا لمجلس التعاون، حريصة على وحدته وأمن دوله ومصالح شعوبه. أدركت مبكرًا أن أمن الخليج مسؤولية مشتركة، وأن استقراره يحتاج إلى تنسيق دائم ومواقف واضحة وقدرة على مواجهة التحديات.

أما القضية الفلسطينية، فبقيت في قلب الموقف السعودي. تعاقبت الحكومات، وتغيرت الظروف، واشتدت الضغوط، واستمر موقف المملكة ثابتًا: قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وحفظ الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

هذا الثبات يمنح الموقف السعودي ثقله. المملكة تسعى إلى سلام عادل يحفظ الحقوق ويمنح المنطقة فرصة حقيقية للاستقرار. واصلت اتصالاتها وتحركاتها السياسية والإنسانية، وحملت القضية الفلسطينية إلى المحافل الدولية، وأكدت أن السلام يحتاج إلى أساس واضح يحمي حق الفلسطينيين في دولتهم وأرضهم وكرامتهم.

وإذا كان من حق الوطن أن نحتفي بمنجزاته، فمن حق قائد هذه التحولات أن نحتفي بما قدمه.

صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أمير المنجزات ورجل المهمات ووجه السعد، سخّر سنوات شبابه لخدمة دينه ومليكه ووطنه، وحمل هموم الأمتين العربية والإسلامية وسط مرحلة شديدة التعقيد.

قاد رؤية 2030، وتابع مشروعاتها، وفتح أبوابًا واسعة أمام الإنسان السعودي. آمن بالشباب، ومكّن المرأة، ودعم الثقافة والرياضة والتقنية والسياحة، وأعاد تقديم المملكة للعالم دولةً واثقة بتاريخها، واضحة في أهدافها، سريعة في خطواتها.

كانت أحلامه كبيرة بحجم وطنه، وتحولت كثير من تلك الأحلام إلى مشروعات يراها المواطن والزائر على أرض الواقع. مدن جديدة، وقطاعات اقتصادية صاعدة، وبنية رقمية متقدمة، وحضور ثقافي ورياضي عالمي، وفرص تتسع أمام الأجيال القادمة.

وفي السياسة، حمل ولي العهد مشروع السلام وسط منطقة مثقلة بالحروب والانقسامات. فتح أبواب الحوار، وسعى إلى تهدئة النزاعات، وعمل على حماية استقرار المنطقة ومصالح شعوبها. ولهذا يستحق لقب «أمير السلام»؛ فقد تعامل مع السلام كمسؤولية سياسية وأخلاقية، وحافظ على حقوق العرب وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني.

تعقيدات المرحلة لم تغير اتجاهه. بقيت المملكة حاضرة في ميادين الإغاثة والوساطة والعمل الدبلوماسي، تجمع الأطراف، وتبحث عن الحلول، وتمنح الاستقرار أولوية في حساباتها.

في اليوم الوطني نستعيد قصة وطن بدأ على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، وتواصلت مسيرته مع أبنائه الملوك، حتى وصلنا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

نحتفي بتاريخ عظيم، ونعيش حاضرًا يبعث على الفخر، وننظر إلى مستقبل تقوده طموحات كبيرة. ومن حقنا أن نفرح بما تحقق، ومن واجبنا أن نحافظ عليه، وأن يؤدي كل واحد منا دوره بإخلاص ومسؤولية.

الوطن الذي يستقبل العالم اليوم في منتديات الذكاء الاصطناعي والقمم السياسية والبطولات الدولية هو الوطن نفسه الذي بقي وفيًا لعروبته وإسلامه وقضاياه.

هذه هي السعودية التي نحتفي بها: وطن المنجزات، وأرض الحرمين، وقلب العالم العربي والإسلامي، وبلاد يقود تحولاتها أمير للمنجزات والسلام.

عبدالله أحمد الزهراني

عبدالله أحمد الزهراني، رئيس تحرير صحيفة مكة الإلكترونية، حاصل على درجة الماجستير في الاتصال والإعلام الرقمي من جامعة الملك عبدالعزيز، ويُعد من أبرز كتّاب الرأي في الإعلام السعودي المعاصر. يجمع في أسلوبه بين التحليل السياسي العميق والطرح الساخر الواعي، حيث يقدّم مقالات تتناول قضايا الوعي الوطني، والتحولات الإعلامية، والصراعات الدولية، ضمن رؤية فكرية تعكس فهمًا استراتيجيًا لمفهوم “حروب الوعي” وصناعة التأثير في العصر الرقمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى