كتاب الرأي

الأمن من أجل النعم.. قراءة متأنية في روح اليوم الوطني الـ96

لو تأمل الإنسان في حال الجزيرة العربية قبل عقودٍ خلت وتحديداً قبل توحيد المملكة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز طيب الله ثراه ولو أتيحت له فرصة الجلوس مع كبار السن الذين عاصروا تلك الحقبة لخفق قلبه أسى مما كان سائداً. لم يكن الوضع مجرد (فقر وجوع) فحسب بل كان رعباً مخيفاً صراعات قبلية طرقاً مقطوعة وخوفاً يلاحق الإنسان في حلّه وترحاله. ولكن وبعد 96 عاماً من التأسيس والمجد تحققت المعجزة. لم يجمع الملك المؤسس أطراف الجزيرة جغرافياً فحسب بل جمع شتات القلوب وتباعد الأرواح. قضى على المرض والجوع والجهل والأهم من ذلك كله أنه اقتلع الخوف من جذوره ليغرس بدلاً منه الطمأنينة في كل شبر من هذا الوطن.
ولأن الأمن هو الحاجة الإنسانية الأولى التي لا يمكن أن تليها حاجة فقد جعلته دولتنا رعاها الله أولوية الأولويات متسلحة بتوجيهات قرآنية وسنة نبوية شريفة تشكل الـ DNA)) لمجتمعنا إن جاز التعبير. فقد خلد الله تعالى دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا) ورسخ نبينا الكريم ﷺ معادلة السعادة البشرية في قوله: (من أَصبح منكم آمنًا في سِرْبِهِ معافى في جسده عنده طعام يومه فكأَنّما حيزت له الدنيا).
تخيل أنك ترغب في النوم وهناك أسدٌ شرس يتربص خارج باب غرفتك!
تخيل أن طفلك يذهب إلى مدرسته وأنت تتابعه بعينٍ مليئة بالقلق من كل ظلٍ يتحرك!
تخيل أن أمّاً لا تنام حتى يعود ابنها من عمله خوفاً من عابر طريق أو لص متربص!
الآن.. افتح نافذتك، وانظر إلى شوارع مدننا في الليل والنهار وانظر إلى أطفالنا يلعبون بسلا ونسائنا يقطعن المسافات بأمان، وشيوخنا يؤدون صلواتهم بوقار.
ثم تابع أخبار العالم من حولك الحروب، التشرد، الخيام الممزقة، والعيون التي لا تعرف طعم النوم وستدرك يقيناً أننا نعيش في واحة أمان نادرة في زمن قلت فيه السكينة. ولكيلا نظل في دائرة التخيل دعونا ننتقل إلى صورة حية من واقعنا المعاش.
قبل فترة كنت ألقي محاضرة أمام مجموعة من شبابنا الممارسين لرياضة الدراجات النارية (البايكرز) وهم الذين يمثلون (الحرية المطلقة) و(انطلاق الروح) على الطرقات. قلت لهم: (تخيلوا وأنتم في إحدى رحلاتكم البرية، تتوقفون في استراحة في الصحراء تحتسون أكواب الشاي الساخن وتغلبكم حلاوة الراحة فتأخذون غفوة هانئة تحت ظل السماء ووجوهكم تنضح بالسكينة، تنفسوا الصعداء واسألوا أنفسكم: كيف نامت عيونكم بأمان بينما كانت عيون الرجال في الأمس ساهرة؟)
كيف تمكن ذلك الرجل الأسطوري والبطل الملك عبدالعزيز رحمه الله من توحيد هذه الجزيرة المترامية الأطراف وتحويل مسالكها من طرقٍ تقطعها المخاوف إلى طرقٍ تنعمون فيها بحرية الانطلاق؟ كيف استطاع هو ونخبة رجاله الأبرار، أن يقتحموا أسوار الرياض ويستعيدوها في ملحمة خالدة لينادي بعدها المنادي بعبقرية التاريخ: الملك لله ثم لعبدالعزيز؟ لم يكن توطيناً للأرض فحسب بل كان توطيناً للروح. لقد جاء المؤسس ليقضي على (الثلاثي المدمر) الذي ينهش أي مجتمع: قهر (الفقر) فأطعم الجياع، وقهر (المرض) فداوى الأجساد وقهر (الجهل) فأضاء العقول. وأرسى (الأمن) فاطمأنت النفوس. الأمن ليس مجرد غياب للجريمة بل هو تأكيد للحياة.
بالأمن تستقر النفوس وتهدأ العيون وتبدع العقول. بالأمن تتمكن الأم من التخطيط لمستقبل أبنائها ويتمكن الشاب من إطلاق طموحاته ويتمكن المجتمع من العمل كفريقٍ متكامل. الأمن هو التربة الخصبة التي تنبت فيها الرفاهية وتنمو فيها الابتكارات. وينبغي أن نكون جميعاً حراس هذه النعمة. فبلادنا بفضل الله ثم بجهود قيادتنا وقواتنا الأمنية والعسكرية الباسلة، تنعم بأمن وارف قل أن يوجد مثيله. ولكن الأمن درع يصنع من تآزر الجميع ومن الإدراك لهذه النعمة والمحافظة عليها.
لذلك يجب أن ندرك أن كل مواطن هو رجل أمن ليس بالسلاح فحسب بل بالوعي، باليقظة، بحب الوطن، وبالوقوف صفاً واحداً في وجه كل حاقدٍ أو متربص.
وفي ظل احتفائنا باليوم الوطني السادس والتسعين أقترح أن تتحول مدارسنا وجامعاتنا إلى مختبرات للذاكرة والأمان وأن يتم تنظيم ورش عمل وحلقات نقاشية يستضيف فيها الطلاب كبار السن الذين عاصروا الحقبتين، ليرووا لهم كيف تحولت غرفة النوم ذات الأسد إلى وطنٍ بلا أسوارٍ من الخوف. ليسمع الجيل الحالي كيف كان الأجداد يحلمون بهذا الأمن ليدركوا أن ما يعيشونه اليوم هو حلم الأمس الذي تحقق وواجب الغد الذي يجب أن يُحفظ.
في يومنا الوطني السادس والتسعين.. لا نحتفي بالتراب فقط بل نحتفي بـالسكينة التي تسكن فيه وبـالغفوة الهانئة على قارعة الطريق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى