اليوم الوطني للمملكة يذكرنا بأن الاصالة قادرة على السير مع الحداثة. حيث يستطيع الانسان أن يجمع بين الامرين: أن يتقدم دون أن ينسى من أين بدأ. لأن الوطن ليس فقط ما نراه في الاخبار والصور؛ الوطن ما يحدث في حياة الناس كل يوم. مما يجعلنا ننظر إلى اليوم الوطني بما يتماهى مع الانتقال من ذاكرة المكان إلى ذاكرة الإنسان. لنصل إلى أن الوطن الحقيقي يسكن في ذاكرة المواطن، ولهجته، وذكرياته، وبيته الأول، وطرق طفولته، ودعاء أمه.
أحيانا لا نعرف حجم الوطن في داخلنا إلا عندما نعيش خارجه. ولذلك الكتابة عن اليوم الوطني تدفعنا أن ننظر لليوم الوطني بطريقة غير تقليدية، منها أن الوطن قصة أجيال ثلاثة: جيل عاش البدايات، جيل عاش التحولات الكبرى، وجيل يعيش المستقبل. ليصبح اليوم الوطني مناسبة للتفكير في المسؤولية تجاه المستقبل، وليس فقط الاحتفال بالماضي. مما يؤكد بأن ملامح الوطن قد تغيرت، لكن روحه لم تتغير. وهذا جعل صورة المملكة قد انتقلت من صورة محدودة إلى حضور دولي واسع، وذلك عندما ينظر الى المملكة الأخرون.
ولأن المواطن السعودي مسكون بحب وطنه نجده يحمله معه إلى الخارج، فنجد المبتعثين السعوديين في الولايات المتحدة الامريكية يعبر عن فرحتهم باليوم الوطني من خلال احتفالهم بالأندية الطلابية أو في بيوتهم أو في المؤسسات العامة، ويشاركون السفارة السعودية احتفالها بذلك، باستخدام الاعلام، الأفلام الوثائقية، الصور الفتوغرافية، والملصقات المعلوماتية، والاغاني الوطنية، والمجسمات والازياء الوطنية، والرقصات الشعبية. وهذا يجعلنا نكتشف تدريجيا أن الوطن ليس المسافة بين المواطن والوطن، بل المسافة بينه وذاكرته. كما أنه لم يكن يشتاق إلى مدينة بعينها…كان يشتاق إلى نسخه من نفسه تركها ذات يوم في وطنه. وهذا يساير شعار اليوم الوطني لهذا العام “عزنا بطبعنا”، وهو مستوحى من صفات وقيم المجتمع السعودي. لأن الوطن ليس مجرد أرض، وإنما طبع وذاكره ومسؤولية، وما يحمله من قيم وطباع تتناقلها الأجيال، ولان الوطن يسكننا…حين يصبح الطبع هوية. فالإنسان لا يكتشف أحيانا معنى الوطن وهو في داخله، وإنما يكتشفه عندما يبتعد عنه. هنا تتغير زاوية النظر إلى اليوم الوطني، فهو ليس يوما نتذكر فيه فقط متى تأسست المملكة، بل نسأل أنفسنا: ماذا صنع الوطن فينا؟ وماذا نصنع نحن للوطن؟ فاليوم الوطني أعلن عن توحيد البلاد باسم المملكة العربية السعودية بمسيرة طويلة قادها الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمه الله، ولم يكن هناك نهاية قصة، وإنما بداية مرحلة جديدة من البناء. وأعظم ما في التجربة السعودية ليس فقط أنها انتقلت من مرحلة التأسيس إلى الدولة الحديثة، وإنما أن أجيالا متعاقبة حملت مسؤولية البناء، وأضاف كل جيل شيئا إلى ما تسلمه من الجيل السابق. يقود تلك المسيرة ملوك المملكة وأمراءها إلى أن وصلت إلى مرحلة رؤية 2030 التي يرعاها خادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، ويديرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان-حفظهما الله. ويجب أن ننظر لهذه المناسبة أكثر من أنها مناسبة للفرح، إلى أنها مناسبة للمراجعة والتأمل، فالوطن ليس ما نأخذه منه فقط، وإنما ما نضيفه إليه. فالمملكة اليوم تتواصل فيها التحولات التي تستهدف بناء اقتصاد متنوع، وتعزيز الثقافة والسياحة، وتطوير قطاعات جديدة، وفتح مجالات أوسع أمام المواطن السعودي في مختلف المجالات. لهذا لا توجد صورة واحدة للوطن، فهو صور كثيرة بعدد الذين أحبوه وعاشوا فيه وابتعدوا عنه وعادوا إليه. وفي اليوم الوطني للمملكة لا نحتفل فقط بما كان، بل نحتفل بما أصبح، ونتأمل فيما سيكون، فالماضي يمنح الوطن ذاكرته، والحاضر بمنحه حركته، أما المستقبل فيمنحه السؤال الأصعب: ماذا سنترك بعدنا؟ وعلينا أن نحول حب الوطن من مشاعر تقال إلى قيم تمارس، ومن كلمات تكتب إلى عمل ينجز، ومن احتقال ينتهي بانتهاء اليوم إلى مسؤولية تستمر طوال العام.
• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
مقيم في الولايات المتحدة الامريكية




