المقالات

جامعة Cornell والجرح الأكاديمي النرجسي !

كتب معالي وزير التعليم السعودي الأسبق د/ أحمد العيسى على منصة X عن التقرير الصادر من جامعة Cornell الأمريكية الشهيرة حول مستقبل التعليم العالي في ظل التطورات الإقتصادية والسياسية والتقنية المعاصرة . وفي تفاعل مع المنشور لخّص د/ عبدالمحسن الحارثي للقراء تقرير جامعة Cornell في ١٠ نقاط أساسية على النحو التالي:
إعادة تعريف الجامعة، التعليم التحويلي ، الذكاء الاصطناعي مع الحفاظ على إنسانية التعلم، التعلم بالممارسة، ربط الجامعة بالعالم الحقيقي، دمج البحث العلمي بتجربة الطالب، تعزيز الأثر المجتمعي للجامعة، بناء ثقافة الحوار والاختلاف، المواطنة الأكاديمية والحوكمة التشاركية، الجامعة كنظام تعلم متكامل.

وبمراجعة هذه البنود لايبدو لي أنها تقدم جديدًا على صعيدي النظرية والتطبيق فهي مجموعة نصائح تربوية وأكاديمية مكررة منذ عقود وقد اشبعت نقاشًا وتداولًا ونقدًا! . أما حالة الإثارة الباهتة كظهور بعض المصطلحات المعاصرة في ذلك التقرير مثل: أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أو الحوكمة او التعليم التحويلي فهي أيضا ليست بقضية جديدة على المشتغلين بالأكاديميات فقد أشبعت هذه المدخلات المفاهيمية فحصًا وهدمًا وإعادة بناء من المختصين في كثير من دول العالم ا

هذه التقارير وما شابهها تكتب في واقع الأمر وهي تكتسي وتستحي من ألم تعليمي نرجسي مبطن لما آل اليه التعليم الأكاديمي داخل الولايات المتحدة قبل خارجها والا فما الداعي لتذكير أهل العلم بأن الجامعة والمجتمع شركاء ، أو أن التطبيق أولى من التلقين ، أو أن مجتمع الجامعة من أعضاء هيئة تدريس وطلاب وإداريين يحملون همًّا مشتركًا ، أو أن البحث الأكاديمي يبدأ من الدرجة الجامعية الأولى قبل الماجستير والدكتوراة ، أو أن رسالة الجامعة تتجاوز نقل المعرفة إلى الحكم الرشيد واستخدام العقل !

ما الداعي لهذا ونحن نعلم متذ عهد أفلاطون الأغريقي قبل قرابة ٣ الآف عام أن العقل سيد الفكر والتعلم ونعلم كما قال كونفوشيوس الصيني أن الآخر لايقل قدرًا وقدرة عن الذات في فهم العالم والأنطولوجيا ونعلم أن أرسطو والحسن بن الهيثم وروحر بيكون وديفيد هيوم قد أعلوا من شأن التجريب إلى الحد الذي جعل كانط الألماني سيد الفلسفة العقلانية يصرخ: “لقد أيقظني هيوم من سباتي الدوغمائي!”

نعم استيقظ كانط في القرن الثامن عشر من سباته فزعًا وعالمنا اليوم مازال يحاول الاستيقاظ بإعادة تدوير ذات الأسئلة وفحص ذات الوقائع والتفكير في ذات المصاعب ! وبإقامة منطقي العقل والتاريخ اللذين أوردت بعض شهاداتها أعلاه فإنه بمكنني الإدعاء بسهولة أن العالم الأكاديمي اليوم لايملك كثيرًا من الحلول لمواجهة الخيبات المتتالية وان مايفعله لايعدو محاولة تطبيب جرح بأدوية وطرق علاجية سابقة أثبت فشلها !

إن خير ماتقدمة جامعة Cornell أو غيرها من الجامعات التي ما زالت تحتفظ بشيء من بريق المعرفة في عقول الناس هو الاعتراف الصريح بفشل التعليم الأكاديمي في مواكبة طموحات المجتمع المدني العالمي وقدم أدواته وانحسار تأثيره على طبقة معينة تنتمي بشكل كبير لعالم الاقتصاد والتقنية ! هذا الاعتراف الكبير يجب أن يقال كما هو دون مواربة أو تجمل أو تلميع بدلًا من التمادي في إيهام متلقي المعرفة العادي أنه يمثل الهم الأكبر للجامعة !

نعم قد يحظى بعض خريجي الأقسام العلمية الذين سيرتبطون بسوق العمل والاقتصاد في تخصصات دقيقة ونادرة بعناية أكبر من الجامعة حينما يكون هناك إتفاقيات عمل بين الجامعة ومنظمات الأعمال مستقبلًا وهذا الأمر مقبول جدًا بيد أنه سيصبح عملًا مشوهًا حينما تقدم أي جامعة في العالم تعليمًا وعناية نخبوية لفئة من طلابها الموعودين بالتوظيف وتكتفي بالمتيسر من الإمكانات البشرية والمادية لباقي طلابها !

وحينما يستمر هذا الواقع ستطل علينا Cornell أو غيرها بمثل هذه التقارير المستهلكة حول أهمية تطوير الأداء الجامعي لتذكرنا بأن الجامعات تبذل قصارى جهدها لفهم سبب التراجع الأكاديمي مع التنويه تصريحًا أو تلميحًا أنها لاتتحمل وحدها جريرة تدهور مخرجاتها طالما أن الشركاء كثيرون والخلافات كبيرة وواقع العصر أعقد من أن تحله مؤسسة صغيرة تسمى جامعة !

لقد قلت سابقًا بأن الجامعات بوضعها العالمي الحالي لن تصمد كثيرًا في وجه العالم بشكله السليكوني الجديد ! وأدعيت في ذات الوقت أن الجامعات لن تكون أكثر من مراكز استشارية على هيئة مكاتب أو بيوت خبرة تقدم نصائح متخصصة لا تأبه بطابع طرق التدريس أو وسائل التعليم بقدر ماتتمحور حول المشورة الدقيقة لمشكلة أو تحدي قائم بعينه ! سيكفي الأجيال الجديدة من الطلبة في القادم من السنين تعلّم القراءة والكتابة وأساسيات التقنية والعلوم والرياضيات وربما تكفي المرحلة المتوسطة لهذا الغرض! حينها سيكون التعلم ذاتيًا وستتهاوى نظريات عشعشت طويلًا في أذهان الناس ! والأهم أن مثل هذه التقارير العاطفية ستختفي للأبد لسبب بسيط وهو اختفاء منبعها الأساسي وهو الجامعة !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى