المجتمع

ما بعد النمو العددي.. مستقبل القطاع غير الربحي حتى 2030

قراءة مستقبلية | عهود الزهراني باحثة في الدكتوراه المهنية بالتخطيط الاستراتيجي المتقدم

تكشف المؤشرات الحديثة للقطاع غير الربحي في المملكة عن وصول عدد جهاته إلى 7,939 جهة، تضم 6,118 جمعية أهلية، و1,157 صندوقًا عائليًا، و664 مؤسسة أهلية. ويعكس هذا النمو تطورًا متسارعًا في البنية المؤسسية للقطاع، لكنه يفتح في الوقت نفسه سؤالًا استراتيجيًا يتجاوز الأرقام: ماذا بعد الاقتراب من ثمانية آلاف جهة غير ربحية؟

فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد الجهات التي تُؤسَّس فقط، بل بقدرتها على الاستدامة المالية، وتوليد فرص العمل، وتغطية الفجوات التنموية، وتحويل مواردها وبرامجها إلى قيمة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.

النمو العددي بداية لا نهاية

يمثل التوسع في أعداد الجهات غير الربحية خطوة أساسية في بناء قطاع أكثر تنوعًا وقدرة على الاستجابة للاحتياجات المجتمعية. فكل كيان جديد يمكن أن يفتح مجالًا لخدمة قضية متخصصة، أو الوصول إلى فئة لم تحظَ بالتغطية الكافية، أو تقديم حلول تنموية تتناسب مع طبيعة المنطقة التي يعمل فيها.

لكن النمو العددي لا يعكس وحده مستوى النضج المؤسسي أو حجم الأثر المتحقق. فقد ترتفع أعداد المنظمات دون أن يصاحب ذلك نمو مماثل في قدرتها على الاستمرار، أو تنويع مواردها، أو قياس نتائج برامجها.

ومن منظور التخطيط الاستراتيجي، يصبح السؤال الأهم: هل يتوزع هذا النمو وفق الاحتياجات التنموية الفعلية، أم يتجه نحو مناطق وتخصصات متكررة؟

من التوسع إلى التخصص

تكشف تركيبة القطاع أن الجمعيات الأهلية تشكل النسبة الأكبر من الجهات غير الربحية، مقابل حضور أقل للمؤسسات الأهلية والصناديق العائلية. ويمنح هذا التنوع المملكة قاعدة مؤسسية واسعة، لكنه يفرض الحاجة إلى وضوح الأدوار ومنع تكرار الجهود.

فالمرحلة المقبلة تتطلب بناء خرائط تنموية تربط بين مواقع المنظمات، وتخصصاتها، والفئات التي تخدمها، وحجم الاحتياج في كل منطقة. ويمكن لهذه الخرائط أن تكشف المجالات التي تشهد كثافة في عدد الجهات، مقابل القضايا والمناطق التي ما زالت بحاجة إلى تدخلات متخصصة.

ولا يعني التخصص تضييق نطاق عمل المنظمة، بل رفع كفاءتها وقدرتها على تطوير معرفة عميقة بالقضية التي تعمل عليها، وتصميم تدخلات أكثر دقة، وبناء شراكات متكاملة مع الجهات الأخرى.

الاستدامة المالية هي الاختبار المقبل

مع اقتراب عدد الجهات غير الربحية من ثمانية آلاف جهة، تزداد المنافسة على المنح والتبرعات ومصادر الدعم التقليدية. ومن غير المتوقع أن تتمكن هذه المصادر وحدها من تمويل نمو القطاع واستمراره خلال السنوات المقبلة.

لذلك، ستصبح الاستدامة المالية أحد أهم معايير بقاء المنظمات وقدرتها على تحقيق رسالتها. ولا تعني الاستدامة تحويل المنظمة إلى منشأة تجارية، وإنما تمكينها من تنويع مواردها وحماية برامجها من التقلبات المالية.

وتشمل الفرص المستقبلية تطوير الأوقاف، والاستثمارات ذات الأثر الاجتماعي، والمنتجات والخدمات المدرة للدخل، والشراكات مع القطاع الخاص، وعقود إسناد الخدمات، والتمويل المبني على النتائج.

ويحتاج كل نموذج إلى ضوابط تحافظ على رسالة المنظمة، وتمنع تحول النشاط الاقتصادي إلى غاية منفصلة عن أهدافها الاجتماعية. فالعائد المالي في القطاع غير الربحي ليس هدفًا نهائيًا، بل وسيلة لضمان استدامة الأثر.

فرص اقتصادية ومهن جديدة

لا يقتصر الأثر الاقتصادي للقطاع غير الربحي على الأموال التي يديرها أو الخدمات التي يقدمها، بل يمتد إلى الوظائف والمهن والأسواق المساندة التي يسهم في إنشائها.

فالنمو الحالي يرفع الطلب على تخصصات نوعية، مثل إدارة البرامج التنموية، وقياس الأثر الاجتماعي، وتنمية الموارد المالية، وإدارة التطوع، والحوكمة، وإدارة المخاطر، والاتصال المجتمعي، وتحليل البيانات.

كما يفتح المجال أمام شركات ومكاتب متخصصة تقدم الخدمات التقنية والقانونية والمالية والإدارية للمنظمات. وبذلك تتشكل حول القطاع منظومة اقتصادية تجمع بين الخبرة المهنية والهدف الاجتماعي.

وسيكون الاستثمار في الكفاءات الوطنية عاملًا حاسمًا في هذه المرحلة؛ لأن التوسع في أعداد الجهات دون توافر كوادر مؤهلة قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين حجم القطاع وقدرته الفعلية على الإدارة والتنفيذ.

من تمويل الأنشطة إلى تمويل النتائج

تعتمد بعض نماذج التمويل التقليدية على عدد البرامج والفعاليات والمستفيدين، بينما يتجه مستقبل التمويل التنموي إلى قياس النتائج التي أحدثتها هذه البرامج.

فالجهة الممولة لن تكتفي بمعرفة عدد المستفيدين من برنامج للتوظيف، بل ستبحث عن نسبة من حصلوا على وظائف واستمروا فيها. ولن يكون عدد الدورات الصحية كافيًا، بل ستقاس التغيرات التي حدثت في السلوك أو جودة الحياة أو معدلات الوقاية.

ويمثل التمويل المبني على النتائج تحولًا مهمًا في علاقة المنظمات بالجهات الممولة؛ إذ يربط الموارد بأثر موثق، ويشجع المنظمات على تحسين تصميم برامجها وبناء أنظمة أكثر دقة لجمع البيانات.

لكن تطبيقه يتطلب تحديد النتائج منذ البداية، واختيار مؤشرات قابلة للقياس، وبناء خطوط أساس، والاستعانة بالتقييم المستقل عند الحاجة، مع مراعاة أن بعض الآثار الاجتماعية تحتاج إلى وقت أطول حتى تظهر.

إسناد الخدمات يوسع الدور التنموي

يمثل إسناد بعض الخدمات الحكومية إلى المنظمات غير الربحية فرصة لتوسيع مساهمتها في التنمية، خصوصًا في المجالات التي تتطلب قربًا من المجتمع وفهمًا لاحتياجات الفئات المختلفة.

فالمنظمة المتخصصة قد تكون أكثر قدرة على الوصول إلى المستفيدين، وبناء الثقة معهم، وتقديم الخدمة بمرونة. ومع ذلك، يتطلب الإسناد جاهزية مؤسسية ومالية وتقنية، وقدرة على الالتزام بمعايير الجودة وإدارة العقود وقياس الأداء.

ومن هنا، قد تشهد المرحلة المقبلة تصنيفًا أكثر وضوحًا للمنظمات وفق مستويات جاهزيتها؛ فمنظمات صغيرة تعمل محليًا، وأخرى متخصصة تنفذ برامج نوعية، ومنظمات كبيرة قادرة على إدارة عقود وخدمات ممتدة.

ولا يمثل اختلاف الأحجام مشكلة، إذا كان لكل منظمة دور واضح يتناسب مع قدراتها واحتياجات مجتمعها.

ثلاثة سيناريوهات حتى 2030

يمكن استشراف مستقبل القطاع غير الربحي عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسة:

السيناريو الأول: استمرار التوسع العددي

تواصل أعداد الجهات ارتفاعها، بينما تبقى قدراتها المؤسسية والمالية متفاوتة. وفي هذا السيناريو يتسع القطاع من حيث الحجم، لكن بعض المنظمات قد تواجه صعوبة في الاستدامة أو إثبات أثرها.

السيناريو الثاني: التكامل وإعادة التنظيم

تتجه المنظمات المتشابهة إلى بناء التحالفات، أو مشاركة الخدمات والموارد، أو الاندماج عند الحاجة، مع ارتفاع مستوى التخصص والتنسيق بينها. ويقلل هذا السيناريو من تكرار البرامج، ويعزز كفاءة استخدام الموارد.

السيناريو الثالث: التحول إلى اقتصاد الأثر

تصبح المنظمات شريكًا رئيسًا في تقديم الحلول والخدمات التنموية، وتتوسع أدوات الاستثمار الاجتماعي والتمويل المبني على النتائج، ويرتبط الدعم بحجم الأثر الذي تحققه كل منظمة.

ويُعد السيناريو الثالث الأكثر قدرة على تعظيم مساهمة القطاع، لكنه يتطلب بيانات دقيقة، وقيادات مؤهلة، وتمويلًا مبتكرًا، وأدوات موحدة لقياس النتائج.

مؤشرات تحتاجها المرحلة المقبلة

إلى جانب عدد الجهات المسجلة، تحتاج القراءة الاقتصادية للقطاع إلى مؤشرات أعمق، من أبرزها:

  • نسبة المنظمات التي تمتلك مصادر دخل متنوعة.
  • معدل استمرار المنظمات بعد السنوات الأولى من التأسيس.
  • عدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة التي يولدها القطاع.
  • حجم العقود والخدمات المسندة إلى المنظمات.
  • حجم الأوقاف والاستثمارات الاجتماعية.
  • نسبة الإنفاق على البرامج مقارنة بالمصروفات الإدارية.
  • القيمة الاقتصادية لساعات العمل التطوعي.
  • العائد الاجتماعي والاقتصادي من البرامج.
  • توزيع المنظمات بحسب المناطق والتخصصات والفجوات التنموية.

ما بعد ثمانية آلاف جهة

تؤكد المؤشرات الحالية أن القطاع غير الربحي يمر بمرحلة نمو مؤسسي متسارع، إلا أن المرحلة التالية تتطلب تحولًا في طريقة قراءة النجاح وقياسه.

فالأهمية لا تكمن في تجاوز عدد الجهات حاجز ثمانية آلاف فقط، بل في عدد الجهات القادرة على الاستمرار، وحجم الوظائف التي تخلقها، والقضايا التي تسهم في معالجتها، والقيمة التي تضيفها إلى الاقتصاد والمجتمع.

ويبدأ مستقبل القطاع عند نقطة التقاء الرسالة الاجتماعية بالكفاءة الاقتصادية. وكلما نجحت المنظمات في تحويل مواردها إلى نتائج موثقة ومستدامة، انتقل القطاع من موقع المساندة إلى موقع الشراكة الفاعلة في صناعة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى