طالب مجلس الشورى في جلسته الماضية بعض الجامعات السعودية بدراسة (أسباب ارتفاع عدد العائدين من الابتعاث دون الحصول على مؤهل علمي، ووضع الحلول المناسبة لذلك). وهذه، في رأيي، مشكلة لا تخص جامعة بعينها، وإنما قد تواجهها معظم الجامعات السعودية.
وقد لاحظت ذلك إبان عملي أمينا عاما لمجلس جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية قبل أعوام، حيث عاد عدد من المبتعثين دون إكمال دراستهم، مع أن أولئك المبتعثين كانوا من أكثر المعيدين تميزا من الناحية العلمية، إلا أنهم أخفقوا في تحقيق ما ابتعثوا من أجله. وعندما سألت العديد منهم بصفة خاصة، وجدت سببين يتكرران بصورة واضحة : ضعف اللغة وعدم القدرة على التعامل مع الصدمة الحضارية والتكيف مع البيئة الجديدة.
ولذلك اقترحت في 27 مايو 2019، في منصة X، أن ينخرط المعيدون قبل ابتعاثهم في دراسة اللغة الإنجليزية لمدة عام كامل على الأقل، يكثف في الفصل الأول الجانب اللغوي والتواصلي، ويخصص الفصل الثاني لتعريفهم بالجوانب الثقافية للبلدان التي سيبتعثون إليها. فالمبتعث، كما يحتاج إلى لغة بلد الدراسة للتعلم والتواصل، يحتاج أكثر إلى فهم المجتمع الذي سيعيش فيه والتعامل مع عاداته وأساليب التواصل فيه.
وقد يعيش بعض المبتعثين سنواتهم الأولى في دائرة سعودية أو عربية ضيقة توفر لهم الألفة وتخفف من وطأة الغربة، لكنها في الوقت نفسه قد تحد من احتكاكهم بالمجتمع الجديد وممارستهم للغة مع أهلها. وقد لا ينتبهون إلى ذلك إلا حين يتخرج أصدقاؤهم أو ينتقلون إلى مدن وولايات أخرى، فيجد بعضهم نفسه أمام بيئة لم يعتادها فيصعب عليه التواصل معها ومن ثم قد تتحول الغربة إلى عزلة تؤثر في قدرته على مواصلة دراسته.
والتكيف الثقافي لا يقصد به هنا الذوبان في الثقافة الجديدة أو الانسلاخ من ثقافة المبتعث الأصلية، وإنما فهم البيئة التي يعيش فيها: كيف يفكر أهلها وكيف يتواصلون وما طبيعة علاقاتهم وما الذي يعد مقبولا أو غير مقبول ثقافيا في حياتهم اليومية والأكاديمية. فهذا الفهم يعين المبتعث على التعامل مع محيطه بثقة دون أن يفقد هويته.
وتزداد أهمية ذلك حين يكون المبتعث معيدا، فالمعيد، في أبسط تعريف، هو استثمار الجامعة الأكاديمي الأهم للمستقبل، ويعول عليه أن يعود عضو هيئة تدريس وباحث، وربما قائد أكاديمي. ولهذه الأهداف، تنفق الدولة عليه وعلى أسرته ما لا يقل عن مليون ريال، بحسب الدولة والتخصص ومدة الدراسة. وعندما يعود دون مؤهل، لا تكون الخسارة في المال والوقت فقط، وإنما في فشل مشروع أكاديمي كان يفترض أن يمتد أثره على الجامعة وطلابها ومجتمعها لسنوات طويلة.
ومن هذا المنطلق، كنت قد اقترحت ألا يت إشغال المعيد قبل ابتعاثه بأعمال إدارية أو تدريسية تصرفه عن القراءة في تخصصه، وأن يتم تمكينه، قدر الإمكان، من ملازمة أستاذ في تخصصه القادم ليكون مرشده الأكاديمي(Mentor)، يحضر معه بعض محاضراته ويستفيد من خبرته ويشاركه في إعداد البحوث والنشر العلمي. فالتهيئة للابتعاث ليست استكمال الإجراءات البيروقراطية فقط، وإنما إعداد متكامل يجعل المعيد قادرا على دخول تجربته الأكاديمية الجديدة وهو أكثر استعدادا للعلم واللغة والثقافة التي سيعيش فيها.

