ذهبت مساء الأربعاء إلى محاضرة بعنوان “عين زبيدة: إبداع هندسي وعبق تاريخي، إرث حضاري ثقافي ومعلم سياحي” ، نظمتها مؤسسة المدد للتراث والثقافة والفنون في متحف المكيين بجدة، وقدّمها الأستاذ الدكتور عمر سراج أبو رزيزة، مدير وحدة أبحاث إعادة إعمار عين زبيدة
ذهبت وأنا أتوقع أن أستمع إلى حديث يغلب عليه الجانب الهندسي؛ فالمحاضر مهندس، والموضوع في أحد وجوهه مشروع مائي تاريخي، يقوم على القنوات والجسور والخزانات والتعامل مع تضاريس المكان والسيول. لكنني بعد دقائق من بدء المحاضرة وجدتني أمام سؤال آخر: من الذي يحدثنا الليلة، المهندس أم المؤرخ؟
كان المهندس حاضرًا بلا شك؛ في حديثه عن مسارات المياه والقنوات والجسور والعبّارات، والبازانات وفي شرحه لوظيفة المنشآت وكيف تعامل مهندسو ذلك الزمن مع طبيعة الأرض والسيول وندرة الماء. وكانت الصور التي عرضها تجعلنا ننظر إلى ما بقي من عين زبيدة لا باعتباره أثرًا صامتًا، وإنما شاهدًا على حلول هندسية فرضتها طبيعة المكان وحاجة الإنسان.
لكن المؤرخ كان حاضرًا أيضًا، وإن لم يكن المحاضر مؤرخًا بالتخصص.
فقد أعاد المنشأة إلى زمنها، وبدأ الحكاية من زبيدة بنت جعفر، صاحبة المشروع الذي ارتبط اسمها به عبر القرون، ومن الحاجة إلى توفير الماء لمكة والحجاج. ثم مضى يتتبع قصة العين وما مر بها من عناية وإصلاح وتطوير، حتى امتدت الحكاية إلى العهد السعودي وتطور منظومة المياه والبحث عن مصادر جديدة مع ازدياد أعداد السكان والحجاج.
غير أن أكثر ما استوقفني هو انتقاله من تاريخ المنشأة إلى تاريخ الإنسان.
ظهرت في الصور أحواض سقي الدواب والطيور، والسقاؤون وهم يحملون الماء، واستعاد المحاضر ذكريات زمن لم يكن فيه الماء يصل إلى البيوت بهذه السهولة التي نعرفها اليوم؛ كيف كان الناس يحصلون عليه ويحفظونه ويقتصدون في استخدامه. وهنا لم تعد عين زبيدة مجرد قنوات وحجارة، وإنما أصبحت مدخلًا إلى تاريخ اجتماعي كامل؛ إلى علاقة الإنسان بالماء وذاكرة مجتمع تشكلت بعض تفاصيل حياته حول ندرته وقيمته.
وزاد العرض جمالًا أن المحاضر لم يحصر نفسه في لغة الهندسة. كان ينتقل بسلاسة بين المعلومة والحكاية، ويستحضر الشعر والمعلقات وحكايات المشروع ، ثم يعود إلى ذاكرته الشخصية وذكريات الطفولة. وتخللت حديثه أحيانًا العامية الحجازية بعفوية محببة، فلم تنتقص من قيمة المحاضرة، بل منحتها روح المكان وقربتها من الحضور.
وأنا أستمع إليه، أخذني التفكير إلى مسألة كثيرًا ما تشغلني بوصفها مؤرخة: كيف نُخرج التاريخ من دائرة المتخصصين إلى فضاء المجتمع؟ فالكتابة العلمية لها منهجها وتوثيقها ولغتها، لكن الوقوف أمام الجمهور له مقام آخر؛ يحتاج إلى صحة المعلومة ودقتها، بقدر ما يحتاج إلى القدرة على روايتها وإضفاء الحياة عليها.
ووجدت في محاضرة عين زبيدة نموذجًا جميلًا لذلك؛ والمفارقة أن من قدّمه كان مهندسًا. لم يتخلَّ عن تخصصه ودقته، ولم يحوّل التاريخ إلى حكايات مجردة، وإنما أخذ من المهندس عينه التي تقرأ المنشأة، ومن المؤرخ روحه التي تبحث عن الإنسان والزمن والسياق، واستعان بالأدب والشعر والذاكرة والصورة ليمنح المعلومة حياة تتجاوز جفاف العرض الأكاديمي
وهنا وجدت الإجابة عن السؤال الذي رافقني طوال المحاضرة: هل كان جمال العرض بسبب عين المهندس، أم بسبب روح المؤرخ التي امتلكها؟
لعل جماله كان في اجتماعهما معًا.
فعين المهندس جعلته يرى كيف جرى ترويض المكان ليجري الماء، وروح المؤرخ جعلته يرى البشر الذين جرى الماء من أجلهم؛ زبيدة والحاج والسقّاء وأهل مكة، وذاكرة أجيال عرفت قيمة الماء قبل أن يصبح وصوله إلينا أمرًا اعتياديًا.
خرجت من المحاضرة وأنا أعرف عن عين زبيدة أكثر مما كنت أعرف، لكنني خرجت أيضًا بفكرة تستحق أن نتأملها نحن المؤرخين: أن التاريخ لا يفقد علميته حين يُروى بصورة جميلة، وأن البساطة لا تعني التبسيط المخل، وأن المعلومة الدقيقة تستطيع أن تغادر صفحات البحث الأكاديمي إلى الناس دون أن تفقد قيمتها.
فقد يرى المهندس في الأثر ما لا يراه المؤرخ، ويرى المؤرخ فيه ما لا يراه المهندس؛ وحين تجتمع عين المهندس بروح المؤرخ، يبدأ الحجر في رواية حكايته.



