المقالات

التحقق من المعلومات: مهارة إعلامية أم ضرورة مجتمعية…

في زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الجمهور في ثوانٍ، لم تعد المشكلة في الوصول إليها، وإنما في معرفة مدى صحتها ومصدرها وسياقها. فخبر قصير، أو صورة، أو مقطع مرئي، قد ينتقل خلال دقائق من حساب إلى آخر، ويتحول من معلومة مجهولة المصدر إلى حقيقة يتداولها الآلاف، لمجرد أن أحدهم بادر إلى نشرها.

وهنا تبرز أهمية التحقق من المعلومات باعتباره إحدى أهم الممارسات المهنية في العمل الصحفي، وفي الوقت نفسه ضرورة مجتمعية لا ينبغي أن تقتصر على العاملين في وسائل الإعلام.

فالصحفي قبل أن ينشر خبراً يتحمل مسؤولية مهنية تجاه الجمهور، تبدأ من البحث عن المصدر، والتأكد من صحة المعلومات، ومقارنة الروايات، والتحقق من الزمان والمكان والأسماء والأرقام، والتمييز بين الحقيقة والرأي والتفسير. ولا يكفي أن تكون المعلومة متداولة أو أن مصدرها شخصاً معروفاً؛ فالمعيار الحقيقي هو قوة الدليل وموثوقية المصدر وإمكانية التحقق منه.

وتزداد مسؤولية الصحفي عندما تكون المعلومة مرتبطة بقضية تمس حياة الناس أو سمعتهم أو مصالحهم؛ إذ إن الخطأ الصحفي لا ينتهي بالضرورة عند لحظة النشر، وقد يصعب أحياناً تصحيح أثره بعد أن يكون الخبر قد انتشر على نطاق واسع.

أما المواطن، الذي أصبح اليوم جزءاً من البيئة الإعلامية، فلم يعد مجرد متلقٍ للمعلومات. فكل مستخدم يستطيع تصوير حدث، وكتابة تعليق، ونشر خبر، وإعادة توزيع محتوى يصل إلى جمهور واسع. ومن هنا أصبح المواطن شريكاً في صناعة المشهد المعلوماتي، وأصبح عليه أن يتحمل مسؤولية ما يشارك فيه.

ولا يحتاج التحقق دائماً إلى أدوات معقدة؛ فقد يبدأ بسؤال بسيط: من مصدر هذه المعلومة؟ هل نُشرت من جهة موثوقة؟ متى حدثت؟ وهل تتطابق التفاصيل مع مصادر أخرى؟ وهل الصورة أو المقطع مرتبطان فعلاً بالحدث الذي ينسب إليهما؟

هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تمنع كثيراً من المعلومات غير الدقيقة من الإنتشار.

وتكمن الخطورة في أن التسرع في النشر قد يحول خطأً فردياً إلى مشكلة عامة. فقد يؤدي نشر معلومة غير صحيحة إلى إثارة القلق، أو الإضرار بسمعة شخص أو جهة، أو تشويه حقيقة حدث، أو اتخاذ مواقف وقرارات مبنية على معلومات غير دقيقة. وكلما اتسع نطاق انتشار المعلومة، أصبح تصحيحها أكثر صعوبة؛ لأن التصحيح قد لا يصل إلى جميع من تلقوا المعلومة الأولى.

كما أن الاعتماد على العناوين المقتطعة أو المنشورات المختصرة قد يؤدي إلى فهم ناقص للحدث، خصوصاً عندما يتم تداول جزء من تصريح أو صورة خارج سياقها. ولذلك فإن القراءة الواعية لا تكتفي بالسؤال: «ماذا قيل؟» وإنما تبحث أيضاً عن من قاله، ومتى قيل، ولماذا قيل، وفي أي سياق؟

وفي البيئة الإعلامية الحديثة، لا ينبغي أن تكون السرعة خصماً للدقة. فالسبق الصحفي له قيمته، لكن قيمة الخبر لا تتحدد بمدى سرعة نشره فقط، وإنما بقدرته على تقديم معلومات صحيحة وموثوقة ومتوازنة.

ومن هنا يصبح التحقق ثقافة مشتركة بين الصحفي والمواطن. فالصحفي مسؤول عن التحقق قبل نشر الخبر، والمواطن مسؤول عن التحقق قبل إعادة نشره. وبين المسؤوليتين تتشكل بيئة إعلامية أكثر وعياً وأقل عرضة للشائعات والمعلومات المضللة.

إن المجتمع الذي يملك وفرة من المعلومات لا يكون بالضرورة مجتمعاً أكثر وعياً؛ فالوعي الحقيقي يظهر في القدرة على التمييز بين المعلومة والحقيقة، وبين الخبر والشائعة، وبين ما يستحق النشر وما ينبغي التوقف عنده قبل تداوله.

لذلك، ربما يكون أهم سلوك إعلامي يمكن أن نرسخه في حياتنا اليومية بسيطاً جداً:

لا تنشر لأن المعلومة وصلت إليك… انشر بعد أن تتأكد من أنها تستحق أن تصل إلى الآخرين.

ففي زمن سرعة النشر، أصبحت لحظة التحقق القصيرة مسؤولية أكبر من سرعة الضغط على زر «نشر»

***أستاذ جامعي للإعلام السياسي وتقنيات الإتصال

د. سالم بن ناصر الشريف

استاذ جامعي - مستشار إعلامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى