في رواية المسخ للكاتب اليهودي فرانز كافكا يتحول ( غريغور) الإنسان الجميل إلى حشرة ضخمة ذات صباح هكذا وبدون سابق إنذار فيثير الاشمئزاز في نفوس أهله ويتحول لمصدر معاناة بليغة بالنسبة لهم بعد أن كان مصدرًا للعمل وخدمتهم وجلب القوت وقضاء مصالحهم دون كلل !
ينفر أهل البيت منه يتخلون عنه ولايمدون له يد العون بعد كل تفانيه وخدمته لهم ! ينزوي غريغور في غرفته ويحبس نفسه حتى يموت فيشعر أهل بيته بالراحة ويبحثون عن حياة أفضل !
تصوير بديع من الوجودي كافكا لجانب مظلم حول عبثية الوجود الذي يصبح فيه الإنسان مجرد ( شيء) أو ( أداة) تبقى مصونة ومقدرة مابقي نفعها ثم يقذف بها في سلة المهملات فور إنتهاء عمرها وزوال نفعها ! هنا يبرز المفهوم الأشهر في فكر كافكا والذي أطلق عليه ( الذنب الكافكاوي) !
ولأن كافكا عاش هذا الاغتراب والاستلاب مع أسرته ومع مجتمعه الأوسع فقد نسج هذا الذنب بشكل أو بآخر في رواياته الشهيرة : المسخ ، الحكم ، في مستعمرة العقاب ، المحاكمة ، القصر والتي تدور بجملتها حول معنى أساسي وهو ذنب بلا جريمة واضحة، ومحاكمة بلا قانون مفهوم، وسلطة لا تحتاج إلى أن تبرر نفسها !
وبسحب مفهوم الذنب الكافكاوي على عالم اليوم الذي صنع من ( التشيؤ) و ( تسليع ) الإنسان قيمة في عالم الأعمال والمال والمنافع فإنه يمكن للإنسان أن يدعي – دون وجل – أن الأخلاق تواجه اليوم فترة عصيبة وأن الفضائل والقيم تقف على المحك لابوصفها متوارية عن الخطاب العام بل بكونها غير ملموسة في كثير من مشاهد الحياة العملية !
ماذا يعني أن يستغني عالم الوظائف والأعمال – دون سبب واضح – عن موظفين أكفاء بذلوا أجمل ما انتجته العقول لخدمة منظماتهم وتطوير بيئات عملهم ؟ هل يعقل الاستغناء فجأة في مكان ما من العالم عن موظف حقق أرباح عالية لمنظمته أو جلب سمعة طيبة لشركته دونما سبب واضح ووجيه يسبق خطاب الاستغناء عن خدمته .. لاشيء! مجرد ذنب كافكاوي !
ماذا يعني أن يتمرد الأبناء – لسبب غير واضح – على الوالدين أحدهما أو كلاهما بعد كفاح الوالدين طيلة حياتهما ؟ هل كبر السن خطيئتهما ؟ هل هو عجزهما عن تحقيق مزيدًا من الرفاهية لهما ؟ هل هو انشغال الأبناء بالزوجة والأصدقاء واتخاذهم بدائل لوالدين قاربا خريف العمر وغروب الحياة؟ لاشيء ! مجرد ذنب كافكاوي !
ماذا يعني أن يتقاعد الموظف من عمله العام أو الخاص بعد سنين من التفاني ثم ترى سرعة عمله في تسليم مكتبه واستلام عهدته وإزالة اسمه واستبعاده من قوائم المدعوين في الاحتفالات ووضعه في آخر صفوف الحاضرين واستثقال تكريمه أو الثناء عليه ؟ هل كان إخلاصه ذنبه؟ هل كان شبابه الذي صب رحيقه لمنظمته مصدر زلته؟ لاشيء! مجرد ذنب كافكاوي!
ماذا يعني أن يقدم السفيه على الحليم؟ والصغير على الكبير ؟ والجاهل على المتعلم ؟ والغريب على القريب؟ والمتنفع على النافع؟ واللئيم على الحكيم؟ لاشيء! مجرد دنب كافكاوي!
إن عالم الوجودية العبثية الذي قدمه فرانز كافكا للعالم بمثابة مرافعة مخزية للعالم كله! إنها صرخة في وجه الضمير الإنساني أو ماتبقى منه ! كافكا لم يعترض لم يجزع ولم يقاوم ولم يهاجم حينما مسخ غريغور لحشرة لكنه أراد أن يخبر العالم بمدى دناءته ! مسكين غريغور حينما توقع من إنسان هذا الكوكب فعلًا أخلاقيًا يوازي تضحياته وتفانيه ومجموع أفعاله الحسنة !
لذلك اكتفى المسكين غريغور بالعزلة والإنكفاء على ذاته المكلومة حتى الموت لعل العزلة المنتهية بالفناء أن تحرك بضع أناس وبعض ضمير !!






