قبل سنوات، كان عمدة الحي جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية للسكان، إذ يقع مكتبه داخل الحي نفسه، ويستطيع الأهالي الوصول إليه بسهولة لإنجاز معاملاتهم أو طلب المساعدة أو حل ما يواجههم من مشكلات اجتماعية وإدارية. وكان وجوده بين السكان يعزز التواصل المباشر، ويجعله أكثر اطلاعًا على احتياجات الحي وأحوال قاطنيه.
أما اليوم، فقد أصبحت مكاتب كثير من العمد مرتبطة بأقسام الشرطة، وهو تنظيم قد يحقق بعض الجوانب الإدارية، لكنه في المقابل أبعد العمدة عن البيئة الطبيعية التي يفترض أن يمارس فيها دوره المجتمعي. فالعمدة ليس مجرد جهة لإصدار التعريفات أو التصديقات، بل هو حلقة وصل بين الأهالي والجهات الحكومية، وشخصية اجتماعية لها دور في تعزيز التلاحم المجتمعي والإسهام في معالجة بعض القضايا المحلية.
ومن هنا يبرز اقتراح عملي يتمثل في نقل مكاتب العمد إلى مراكز الأحياء، باعتبارها مقرات مجتمعية قريبة من السكان وتستضيف العديد من الأنشطة والخدمات. فوجود مكتب العمدة داخل مركز الحي سيجعل الوصول إليه أكثر سهولة، كما سيسهم في تعزيز التواصل مع الأهالي، والتنسيق مع لجان التنمية والمتطوعين والجهات الخدمية، بما يخدم المصلحة العامة.
كما أن هذا التوجه سيعيد للعمدة حضوره الاجتماعي، ويجعله أكثر قربًا من واقع الحي، فيتعرف على احتياجات السكان بشكل مباشر، ويشارك في المبادرات المجتمعية، ويسهم في دعم العمل التطوعي وتعزيز قيم التكاتف بين أبناء الحي.
إن تطوير دور العمدة لا يقتصر على تحديث الإجراءات، بل يشمل أيضًا اختيار المكان الأنسب الذي يمكّنه من أداء رسالته بكفاءة. وربما يكون مركز الحي هو البيئة الأقرب لتحقيق هذا الهدف، ليعود العمدة كما كان دائمًا: قريبًا من الناس، حاضرًا بينهم، وشريكًا في تنمية الأحياء وتعزيز جودة الحياة.

