المجتمعFrom makkah to the worldمكة - عاجل

بعد المليون.. هل يبدأ التطوع السعودي مرحلة «الأثر»؟

قراءة مجتمعة | عهود الزهراني باحثة دكتوراه في التخطيط الاستراتيجي وأخصائية مشاركة مجتمعية

نجحت المملكة العربية السعودية في الوصول بالعمل التطوعي إلى مرحلة كان يُنظر إليها قبل سنوات بوصفها أحد مستهدفات المستقبل، بعدما تجاوز عدد المتطوعين المستهدف المحدد بمليون متطوع قبل عام 2030، ووصل العدد بنهاية عام 2025 إلى نحو 1.7 مليون متطوع.

هذا الإنجاز لا يعكس فقط ارتفاع المشاركة المجتمعية، بل يؤكد أن ثقافة التطوع أصبحت أكثر حضورًا داخل المجتمع السعودي، وأن العمل التطوعي لم يعد نشاطًا موسميًا أو هامشيًا، بل تحول إلى منظومة مؤسسية تتطور بصورة واضحة من حيث تنظيم الفرص، وتوثيق الساعات التطوعية، وتطوير المنصات الإلكترونية، والاهتمام بالمتطوعين وحقوقهم، ورفع مستوى التنظيم والحوكمة.

لكن الوصول إلى هذا المستوى يفتح سؤالًا أكثر أهمية:

ماذا بعد تحقيق المستهدف العددي؟

من عدد المتطوعين إلى قيمة التطوع

المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى زيادة عدد المتطوعين، بقدر حاجتها إلى تعظيم القيمة التي ينتجها التطوع داخل المجتمع.

فنجاح المملكة في بناء قاعدة واسعة من المتطوعين يعني أن التحدي لم يعد في وجود الرغبة أو الكفاءات، وإنما في كيفية توجيه هذه الطاقة نحو مجالات أكثر تنوعًا وربطها باحتياجات تنموية حقيقية.

ويمكن وصف إحدى أبرز فجوات المرحلة المقبلة بأنها فجوة معرفية ومهارية مرتبطة بتنوع التجربة التطوعية، وليست نقصًا في الكفاءات البشرية.

لدينا كفاءات ومتخصصون ومتطوعون يمتلكون مهارات عالية، لكن مساحة التطوع لا تزال قادرة على التوسع إلى ما هو أبعد من الفرص التقليدية والمبادرات قصيرة المدى.

التطوع أكبر من المبادرات الموسمية

لا يزال مفهوم التطوع لدى شريحة من المجتمع مرتبطًا بأنشطة مثل التشجير، وتنظيف الشواطئ، وتنظيم الفعاليات، أو تقديم بعض الخدمات المباشرة.

هذه الأعمال مهمة، لكنها لا تمثل كامل مفهوم التطوع التنموي.

فالتطوع يستطيع أن يدخل في قضايا الصحة والتعليم والثقافة والإعلام والبيئة وجودة الحياة والاقتصاد المحلي ودعم كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وتنمية الأحياء والاستجابة للأزمات.

والأهم أن يتحول المتطوع من شخص ينفذ مهمة محددة إلى شريك في تحديد المشكلة، وتصميم الحل، وتنفيذه، ثم قياس أثره.

وهنا يتغير السؤال من:

كم ساعة تطوعية تم تسجيلها؟

إلى:

ما الذي تغير نتيجة هذه الساعات؟

المذكرة مع الأمم المتحدة.. نافذة معرفية

من هنا تأتي أهمية مذكرة التفاهم بين المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي وبرنامج الأمم المتحدة للمتطوعين «UNV».

فالخطوة لا ينبغي النظر إليها فقط بوصفها اتفاقًا لتبادل الزيارات والخبرات، بل بوصفها فرصة لفتح نافذة معرفية على تجارب عالمية تراكمت على مدى سنوات في مجال التطوع والتنمية المجتمعية.

والانفتاح على هذه التجارب يمكن أن يساعد المملكة على توسيع مفهوم التطوع، واستحداث مجالات جديدة للمشاركة، وتطوير نماذج أكثر ارتباطًا بالتنمية المستدامة واحتياجات المجتمعات المحلية.

وفي المقابل، تمتلك المملكة اليوم تجربة متقدمة تستحق أن تُنقل إلى الخارج، خصوصًا في مأسسة العمل التطوعي، والتحول الرقمي، وتنظيم الفرص، وتوثيق الساعات، وبناء بيئة وطنية واسعة للمشاركة.

وبالتالي فإن الشراكة ينبغي أن تقوم على تبادل المعرفة لا على انتقالها في اتجاه واحد.

نحتاج إلى دراسات التطوع

ربما يكون أحد أهم مسارات المرحلة المقبلة هو بناء قاعدة معرفية أقوى في مجال دراسات التطوع.

فالعمل التطوعي لا يحتاج فقط إلى ممارسين، بل يحتاج إلى دراسات تشرح أثره وتحدد مجالاته الأكثر تأثيرًا.

نحتاج إلى دراسات تجيب عن أسئلة مثل:

ما أثر التطوع في جودة الحياة؟

كيف يؤثر في الانتماء والتماسك الاجتماعي؟

هل يستطيع التطوع المساهمة في تعديل بعض السلوكيات غير المرغوبة مجتمعيًا؟

ما المجالات التطوعية التي تحقق أعلى عائد اجتماعي أو اقتصادي؟

وكيف تختلف الاحتياجات التطوعية بين المدن والأحياء والفئات المختلفة؟

هذه الأسئلة تنقل التطوع من نشاط تتم ممارسته إلى مجال معرفي يمكن قياسه وتحليل نتائجه وبناء السياسات على أساسه.

التحول الآخر المطلوب يرتبط بمفهوم الجمعيات والمنظمات غير الربحية نفسها.

ارتبط جزء كبير من الصورة التقليدية للعمل الأهلي بالخدمات الخيرية ومساندة الفئات الأكثر احتياجًا، وهي وظيفة اجتماعية مهمة وأساسية.

لكن القطاع غير الربحي أوسع من ذلك.

فالإنسان يمكن أن يحتاج خلال حياته إلى أكثر من منظمة وفق احتياجاته واهتماماته.

من لديه حالة صحية مزمنة يحتاج إلى منظمة توفر له المعرفة والدعم والمناصرة.

والمهتم بالصحافة أو الفنون أو الموسيقى أو الرياضة أو التقنية أو البيئة يمكن أن يجد منظمة تجمع أصحاب الاهتمام نفسه، وتنظم مشاركتهم، وتحول هذا الاهتمام إلى قيمة اجتماعية.

هنا يصبح الفرد مستفيدًا ومتطوعًا وعضوًا وشريكًا في الوقت نفسه، وليس مجرد متلقٍ للمساعدة.

وهذه هي الصورة التي تجعل القطاع غير الربحي جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع.

من فعالية في الحي إلى تنمية الحي

من أكبر المجالات التي يمكن أن يظهر فيها هذا التحول مستوى الأحياء.

فالحي قادر على أن يصبح وحدة تنموية حقيقية للعمل التطوعي.

بدل تنفيذ مبادرة منفصلة داخل الحي، يمكن دراسة احتياجات السكان أولًا: كبار السن، الأطفال، المساحات العامة، الرياضة، الوصول الشامل، الثقافة، النظافة، السلامة وجودة المرافق.

بعد ذلك تُبنى الفرص التطوعية وفق هذه الاحتياجات، وتوضع لها مؤشرات تقيس نتائجها.

وهنا يمكن أن تظهر تنافسية إيجابية بين الأحياء:

أي الأحياء أكثر مشاركة؟

وأيها حافظ على مرافقه بصورة أفضل؟

وأين تحسنت جودة الحياة؟

وما الحلول التي نجحت ويمكن نقلها إلى أحياء أخرى؟

الفرق كبير بين إقامة فعالية تطوعية في الحي وبين استخدام التطوع لتنمية الحي نفسه.

شريك تنموي في تقديم الخدمات

كلما ارتفعت قدرات المنظمات غير الربحية أصبحت أكثر استعدادًا للدخول في نماذج الشراكة والإسناد مع الجهات الحكومية.

لكن القطاع غير الربحي هنا ليس بديلًا عن الدولة، وإنما شريك تنموي قادر على تنفيذ بعض البرامج والخدمات وفق أطر واضحة للحوكمة والجودة والمساءلة.

وقد تكون المنظمات غير الربحية في بعض المجالات أكثر قدرة على الوصول إلى فئات دقيقة أو احتياجات محلية، بحكم قربها من المجتمع ومعرفتها بتفاصيله.

ولهذا فإن الإسناد لا ينبغي أن يعني مجرد نقل مسؤولية تنفيذ الخدمة، بل ضمان استمرار جودتها وتحسينها وقياس أثرها على المستفيد.

التطوع كذلك لا ينبغي النظر إليه بوصفه عملًا مجانيًا فقط.

فعندما يُوظف بصورة صحيحة، يمكن أن ينتج قيمة اقتصادية واجتماعية وتنموية.

المتطوع يكتسب مهارة وخبرة وشبكة علاقات.

المنظمة تستفيد من معرفة متخصصة.

المجتمع يحصل على خدمة أو حل لمشكلة.

والدولة تستفيد من ارتفاع المشاركة المجتمعية وقدرة المجتمع على المساهمة في معالجة تحدياته.

ولهذا فإن قياس قيمة التطوع مستقبلًا يجب ألا يقتصر على الساعات أو قيمتها المالية، بل يمتد إلى العائد الاجتماعي والاقتصادي والتنموى.

ماذا ننتظر من الشراكة الدولية؟

نجاح مذكرة التعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاجتماعات أو الزيارات المتبادلة.

القياس الحقيقي يكون بما تنتجه من تحولات:

هل سنرى تخصصات تطوعية جديدة؟

هل يشارك سعوديون في تجارب دولية وينقلون المعرفة إلى الداخل؟

هل تظهر دراسات وطنية متخصصة في أثر التطوع واقتصادياته؟

هل تتطور مؤشرات تقيس أثر التطوع في الأحياء وجودة الحياة والسلوك المجتمعي؟

وهل تستطيع المنظمات السعودية في مرحلة لاحقة تصدير تجاربها وممارساتها إلى الخارج؟

هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية للشراكة.

مرحلة ما بعد المليون

المملكة أثبتت أن المجتمع السعودي لديه استعداد قوي للمشاركة في العمل التطوعي.

وتجاوز مستهدف المليون متطوع قبل موعده يمثل إنجازًا وطنيًا واضحًا.

لكن المرحلة المقبلة أعمق.

التحدي لم يعد أن نجد من يتطوع، بل أن نعرف:

أين نوجه المتطوع؟

ما المشكلة التي نريد منه أن يساهم في حلها؟

ما المعرفة التي سيكتسبها؟

وما الأثر الذي سيبقى بعد انتهاء الفرصة التطوعية؟

هنا يبدأ التحول الحقيقي:

من تسجيل الساعات إلى قياس النتائج.

ومن تنفيذ المبادرات إلى صناعة الحلول.

ومن المشاركة المحلية إلى تبادل المعرفة عالميًا.

ومن «مليون متطوع» إلى «مليون أثر».

عهود الزهراني

‏رئيس قسم صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى