عام

الرسوم الجمركية (Tariff) السلاح الجديد

كانت الحروب في الماضي تُخاض بالجيوش والأسلحة، أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبحت تُدار أيضًا بأدوات أخرى لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها قد تُحدث آثارًا تمتد إلى كل منزل؛ من خلال الرسوم الجمركية، والعقوبات الاقتصادية، وقيود التصدير، ومنع نقل التكنولوجيا.
لقد أصبح الاقتصاد ساحة جديدة للصراع الدولي، وأصبحت التجارة واحدة من أهم أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي، بل وأصبحت بعض القرارات التجارية قادرة على إحداث آثار تتجاوز أحيانًا تأثير القرارات العسكرية التقليدية.
في أصلها، تقوم التجارة الدولية على مبدأ بسيط: أن تنتج كل دولة ما تتقنه بكفاءة، ثم تتبادل منتجاتها مع الدول الأخرى، بما يتيح خفض التكاليف، وتوسيع الأسواق، وتحقيق منافع مشتركة. وعلى هذا الأساس تطورت منظومة التجارة العالمية، وازدهرت العولمة، ونمت التجارة الدولية إلى مستويات غير مسبوقة.
لكن هذا النمو بدأ يواجه تحديات متزايدة، مع تصاعد المخاوف بشأن فقدان الوظائف، واتساع العجز التجاري، والاعتماد المتزايد على سلاسل إمداد خارجية في قطاعات استراتيجية، مثل الطاقة، وأشباه الموصلات، والتقنيات المتقدمة، والمواد الخام الحيوية.
ومن هنا بدأت بعض الحكومات في إعادة النظر في سياساتها التجارية، واستخدام الرسوم الجمركية لحماية صناعاتها المحلية، أو للضغط على شركائها التجاريين، أو لتحقيق أهداف تتعلق بالأمن الاقتصادي والاستقلال الصناعي.
وتُعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين من أبرز الأمثلة على هذا التحول. فلم يعد الخلاف محصورًا في حجم الواردات والصادرات أو قيمة العجز التجاري، بل امتد إلى التكنولوجيا المتقدمة، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، وأصبح جزءًا من منافسة أوسع حول من يمتلك التكنولوجيا ومن يملك القدرة على قيادة الاقتصاد العالمي في المستقبل.
كما شهدت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا توترات وفرضًا متبادلًا للرسوم على بعض السلع في مراحل مختلفة، وهو ما يوضح أن استخدام التعرفة الجمركية لم يعد مقصورًا على المنافسة بين القوى الكبرى المتباعدة، بل يمكن أن يمتد حتى بين الدول ذات العلاقات الاقتصادية والسياسية الوثيقة.
غير أن الرسوم الجمركية، مهما بدت وسيلة لحماية الاقتصاد الوطني، ليست بلا تكلفة. فهي قد تمنح بعض الصناعات المحلية فرصة للنمو والمنافسة، لكنها في المقابل قد ترفع تكلفة الواردات، وتزيد أسعار بعض السلع على المستهلك، وترفع تكاليف الإنتاج على الشركات التي تعتمد على مدخلات مستوردة. كما قد تدفع الدول المتضررة إلى اتخاذ إجراءات انتقامية، فتدخل التجارة العالمية في دائرة من التصعيد المتبادل.
ولهذا يحذر كثير من الاقتصاديين من أن الحروب التجارية لا تفرز عادةً رابحًا مطلقًا؛ بل تؤدي إلى توزيع الخسائر والمكاسب بين مختلف الأطراف. فقد تستفيد صناعة محلية معينة من الحماية الجمركية، بينما تتحمل صناعات أخرى تكاليف أعلى، ويدفع المستهلك جزءًا من التكلفة من خلال ارتفاع الأسعار، كما قد يتردد المستثمر بسبب حالة عدم اليقين التي ترافق السياسات التجارية المتغيرة.
وتزداد خطورة هذه السياسات في عالم أصبحت فيه سلاسل الإنتاج مترابطة بصورة غير مسبوقة. فالمصنع الواحد قد يعتمد على المواد الخام من دولة، والمكونات من دولة ثانية، والتقنيات من دولة ثالثة، ثم يصدّر المنتج النهائي إلى عشرات الأسواق. وبالتالي، فإن فرض رسم جمركي على سلعة واحدة قد لا يؤثر في المنتج النهائي فقط، وإنما قد ينتقل أثره عبر سلسلة القيمة بأكملها.
ومع ذلك، فقد دفعت الحروب التجارية الدول والشركات إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها الاقتصادية. فاتجهت إلى تنويع الأسواق، والبحث عن موردين جدد، وإعادة توطين بعض الصناعات الاستراتيجية، وبناء مخزونات احتياطية، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد، وظهر مفهوم المرونة الاقتصادية بوصفه هدفًا لا يقل أهمية عن الكفاءة الاقتصادية.
وهنا يبرز امرا هام وهو هل أصبحت التجارة الحرة من الماضي!
لا شك أن التجارة الحرة لم تنتهِ، لكنها لم تعد مطلقة كما كانت تُفهم في العقود السابقة. فالعالم يتجه تدريجيًا نحو نموذج جديد يحاول الموازنة بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المصالح الوطنية. وستظل التجارة الدولية محركًا رئيسيًا للنمو، لكن قواعدها ستتأثر بدرجة أكبر باعتبارات الأمن الاقتصادي، والتكنولوجيا، والسيادة الصناعية، وأمن سلاسل الإمداد. لقد علمتنا الحروب التجارية أن الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن السياسة، وأن القرار الجمركي قد يكون أحيانًا أداة استراتيجية ذات تأثير واسع، حتى وإن لم يكن عسكريًا.
وفي عالم تتشابك فيه المصالح، لن يكون النجاح من نصيب الدولة التي تغلق أبوابها أمام العالم، ولا الدولة التي تفتحها بلا ضوابط، وإنما للدولة التي تستطيع تحقيق التوازن بين الانفتاح والحماية، والكفاءة والمرونة، والمنافسة والتعاون.
ففي النهاية، قد تُفرض الرسوم الجمركية بقرار سياسي، لكنها لا تبقى في مكاتب الحكومات؛ إذ تنتقل آثارها إلى المصانع والأسواق وسلاسل الإمداد، وتصل في نهاية المطاف إلى المستهلك، الذي قد يدفع جزءًا من ثمن حرب اقتصادية لم يشارك في صنعها.

أ.د. محمد بن علي مباركي

كاتب رأي و عضو مجلس الشورى وأستاذ جامعي في تخصص الهندسه المدنيه وله اهتمامات في التعليم الجامعي واداره المشاريع والإحصاء التطبيقي والهندسي، له العديد من الأبحاث العلميه وعضو هيئه تحرير كثير من المجلات العلميه المتخصصه العالميه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى