من خلف أبواب المدارس، ومن على مقاعد الدراسة تبدو الحكاية مختلفة تماماً ؛ فهناك طلاب يحملون معهم في كل صباح حكايات لا تظهر في سجلات الحضور والانصراف ولا في كشوف الدرجات ، فالطالب الذي يصرخ في الفصل قد لا يكون طالباً سيئاً، والطالب الذي يفقد تركيزه أثناء شرح الدرس قد لا يكون كسولاً، والطالب الذي يتكرر غيابه قد لا يكون مستهتراً والطالب الذي يتدنى مستواه الدراسي ويحصل على أقل الدرجات قد لا يكون غبياً . لكن ربما كان خلف ذلك السلوك بيت انقسم،وقلب صغير يحاول أن يجمع شتاته ،و يلملم جروحه قبل أن يفوته قطار الزمن .
وبما أن المدرسة تعد خط الدفاع الثاني للأبناء بعد البيت فقد بات يؤلمنا ويقلقنا تسلل شبح صامت إلى أروقة المدارس،شبحٌ يحمل معه وجوهاً شاحبة ونظراتٍ تائهة؛ إنه شبح “انفصال الوالدين”. الذي بات من أكثر التحولات الأسرية التي يمكن أن تترك أثراً عميقاً في حياة الأبناء، خصوصاً عندما يتحول الانفصال من نهاية علاقة بين زوجين إلى بداية صراع مفتوح، يكون الأبناء أول من يدفع ثمن فاتورته ، في قصص مؤلمة تدور أحداثها ما بين البيت والمحاكم والمدارس وبأرقام مخيفة ندرك من خلالها أننا أمام ظاهرة اجتماعية خطيرة تستدعي الجهات المعنية إلى عمل شراكات توعية للأباء والامهات تتسامى فيها مصلحة الأبناء فوق أي خلافات شخصية.
والأشد إيلاما أن بعض الأبناء يجدون أنفسهم في منتصف الخلاف؛يسمعون من أحد الوالدين رواية، ومن الآخر رواية مختلفة، فيعيشون صراعا داخلياً لا ذنب لهم فيه فيعجزون عن التعبير عن ألمهم بالكلمات، ويجعلون سلوكياتهم هي من تتحدث نيابة عنهم فسرعة غضبهم رسالة، والعزلة التي يعيشونها رسالة، والتراجع الدراسي رسالة، وحتى كثرة المشكلات قد تكون في بعض الحالات محاولة غير واعية لجذب الانتباه والمؤلم أيضاً أن بعض الآباء والأمهات ينشغلون بإثبات من كان المخطئ، ومن كان الظالم، ومن كان صاحب الحق، بينما يقف الابن في المنتصف يبحث عن نقطة الأمان التي فقدها بين عشية وضحاها .
ومن هنا أوجّه رسالة إلى الوالدين اللذين اختارا الفراق وأقول لهما: إن لكل منكما حقه في بداية حياة جديدة بكل تفاصيلها ، ولكن ليس لكما حق في إشراك الابن في تفاصيل الخصومة. التي بينكما ، كما أنه ليس لكما الحق في تحويل المدارس إلى ميدان لتصفية الحسابات، لذلك لا تجعلوا دفاتر المتابعة ساحة حرب. ولا تجعلوا أبناءكم رسلاً بينكم، ولا شهودا على خلافاتكم، ولا وسيلة للضغط على الطرف الآخر. ولا تطلبوا منهم أن يختاروا بين أب وأم، ولا تجعلوا محبتهم لأحد الوالدين خيانة للآخر.فالحضانة المستقرة والعلاقة المحترمة مع الطرف غير الحاضن ودعم نفسية الابن من كلا الطرفين قد يخفف أثر الانفصال واستعادة الابن لثقته فيمن حوله من جديد .
وختاما فإن الانفصال ليس حدثاً يقع خلف أبواب البيوت ثم ينتهي هناك. بل هو زلزال كبير يهزّ أساس الطالب، ثم تصل توابعه إلى ساحة الطابور، ومقاعد الحجر الدراسية، ومكاتب التوجيه الطلابي فالمدرسة مرآة للمجتمع، وما نراه في فصولنا اليوم هو انعكاس لما يحدث في مجتمعاتنا. فالاهتمام بآثار انفصال الوالدين على أبنائنا ليس شأناً عائلياً فحسب، بل هو واجب وطني وتربوي، فإن لم نتصدَ له اليوم، ستدفع ثمنه أجيالاً قادمة. كما أن الطالب لا يفهم لغة المحاكم ولا تفاصيل النفقة والحضانة؛ لكنه يفهم فقط أن الأب لم يعد يرجع إلى البيت في كل مساء، وأن الأم صارت أقل صبراً، وأن البيت الواحد صار بيتين بينهما طريق موحش ومخيف لا يعلم أين ستكون نهايته .
وخزة قلم :
قد ينتهي الزواج ، لكن مسؤولية حماية الأبناء ورعايتهم لا تسقط بورقة طلاق.




ماشاءالله تبارك الرحمن نعم الكاتب ونعم القلم المصلح البناء لا فض فوك