المقالات

الوطن لا يُباع… وحبّه مسؤولية

ليس حبُّ الوطن شعارًا يُرفع، ولا كلماتٍ تُقال في المناسبات، بل هو شعور عميق بالانتماء والمسؤولية، يتكوّن من الذكريات واللغة والثقافة والأهل والأرض، ثم يتحول إلى سلوكٍ يحفظ الوطن ويصون مصالحه.

ومن عجائب الطبيعة أن كثيرًا من الكائنات تهتدي إلى مواطنها الأولى بعد رحلات شاقة وطويلة. وتُظهر دراسات هجرة الطيور أن بعض الأنواع تتمتع بما يُعرف بـ«الوفاء للموقع»، فتعود إلى المناطق نفسها عامًا بعد عام. أما الإنسان، فارتباطه بالوطن أعمق؛ لأنه لا يرتبط بمكان فحسب، وإنما يرتبط بتاريخ وذاكرة وهوية وشعور بالانتماء.

وتشير دراسات علم النفس إلى أن الانتماء إلى الوطن قد يمنح الإنسان إحساسًا بالمعنى والاتصال بالآخرين، وقد يدفعه إلى المشاركة في خدمة المجتمع. لكن حب الوطن الحقيقي ليس تعصبًا أعمى، ولا يعني رفض النقد؛ بل إن الوطنية الناضجة تعني أن يحب الإنسان وطنه، ويسعى إلى إصلاح ما يراه من خلل، ويحافظ على مصالحه، ويحترم أوطان الآخرين. فالوطنية البناءة تقترن بالمسؤولية والعمل من أجل الصالح العام.

وحب الوطن لا يُقاس بكثرة ما نقوله عنه، وإنما بما نقدمه له. فالمعلم يخدم وطنه حين يضيء عقول أبنائه، والطبيب حين يخفف آلام مرضاه، والعامل حين يتقن عمله، والطالب حين يجتهد في طلب العلم، وكل إنسان حين يؤدي واجبه بأمانة وإخلاص. فالأوطان لا تبنى بالأمنيات، وإنما بسواعد أبنائها وصدق انتمائهم.

الوطن ليس أرضًا نقيم عليها فقط، بل أمانة تسكن في الذاكرة والضمير. هو المكان الذي نحمل اسمه أينما ذهبنا، ونستمد منه جزءًا من هويتنا وذكرياتنا. ولذلك فإن الوفاء للوطن ليس موقفًا عابرًا، بل قيمة راسخة تظهر في الإخلاص والعمل واحترام الأنظمة والمحافظة على مكتسباته، والسعي إلى أن يكون المستقبل أجمل من الحاضر.

فحب الوطن أن نحفظه بالعمل، ونخدمه بالإخلاص، ونترك للأجيال القادمة وطنًا أكثر قوةً وأمانًا وازدهارًا. وحين يصبح الانتماء سلوكًا يوميًا، يتحول حب الوطن من شعور في القلب إلى أثرٍ باقٍ في الحياة.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى