جابهت الفلسفة في مولدها حروبًا مستعرة مع الأوثان والأديان والخرافة والسياسة والعلم !
لم تكن ولادتها طبيعية بقدر ماكنت قيصرية عسرة يكفي من تذكر صباحها القاسي أن بعض الفلاسفة دفع حياته ثمنًا لأم العلوم والبعض الآخر نفي أو لوحق أو سجن أو وضع موضع السخرية والاستهجان من الأغلبية الدوغمائية المتنفذة !
في إطلالة ذلك الصبح القاسي كان الرهان على الصبر والثبات من أهل الحكمة أكبر من مجرد وعود كلامية ! كان الرهان على تحمل الكلفة البشعة لتقديم العقل على الوهم والحقيقة على الظلال والنور على العتمة والضياع !
هكذا بدأ تاريخ الفلسفة التي نزعت بنور العلم السحر عن العالم كما كان يحلو للفيلسوف الألماني ” ماكس فيبر ” أن يردد في محاضرته الشهيرة ” العلم بوصفه حرفة” عام ١٩١٧م
ولأن ولادة بهذا القدر من المشقة والشقاء تستحق أن تذكر وتخلد فإن الجزاء الأوفر لها كان سطوع نور العقل والمعرفة وظهور النقلة الكبرى في عصر الأنوار والتي أثمرت أجمل منتجات الحداثة المعرفية فصانت أجساد الناس من الهلاك ببركة الطب الحديث وجعلت حياة الإنسان أكثر سهولة ورفاهية بفعل العلوم التي قدمت المخترعات والابتكارات !
حينها أدرك الإنسان قيمة عقله الذي غاب قبل ظهور الفلسفة ! وحينها حمد البشر للفلسفة نضالها الطويل وشهدائها الأشاوس ! خصوصًا أولئك المجالدين الرائعين الذين قدموا العقل والمنطق والتحليل ولم ينسوا الحرية والإرادة والعدل والمساواة والبحث عن المعنى حينًا وصنعه أحيانًا أخرى !
ولأن الفلسفة فتاة مؤدبة جدًا فإن رموزها يعرضون ولايفرضون ، ويستمعون أكثر ممايتكلمون ! ويقرأون أضعاف مايكتبون !
بدأ هذا الخلق الفلسفي الرفيع قبل ولادة سيدنا المسبح عليه السلام بـ٦٠٠ عام حينما رفض فيثاغورس الفيلسوف والرياضي الأوج أن يسمى حكيمًا أو فيلسوفًا وأكتفى من كل هذا بطلب بسيط أن يقال له ” أنه مجرد محب للحكمة ” ! ولأن الأركيولوجيا تسعفنا كثيرًا في تتبع النواة الفلسفية داخل جينات الفلاسفة فنحن لن ننسى أن الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل أتى بعد فيثاغورس بأكثر من ٣ الآف عام ليقف في تجمع كبير مع مجموعة من الشباب الصغار وعمره ٨٩ عامًا في ميدان البرلمان مصرحًا بكلمة الفلسفة المعتقة ” نحن ضد التسلح النووي لأغراض الحرب” ! مروءة فلسفية عمرها أكثر من ٣ الآف سنة !
واليوم تنظر الفلسفة لتاريخها الطويل بكثير من الفخر وشيء من الحذر ! وتساءل لأن مهنتها الخالدة هي السؤال : هل زماننا اليوم محض تذكر للتاريخ العظيم للفلسفة واستعادة لأمجادها التليدة ؟ فإن كان الجواب نعم فهو تأبين استباقي ورثاء للفلسفة وكيف للفلسفة أن تموت ! وإن كان لا فماذا بعد ؟
لاتنتظر الفلسفة من أحد جزاء ولاشكورا ! ولو أرادت ذلك لأصبح الفيلسوف سفسطائيا أو مهرطقًا أو دجالًا ! وكيف لفيلسوفٍ أن يكون مجيدًا وهو يستبدل قيمة التساؤل والتأمل والعقل والأخلاق بعرض المال والشهرة والجاه والنعم ! خرجت باريس عن بكرة أبيها بعد ٢٨ عامًا لترحب بفيلسوفها الضخم والمنفي فولتير في عهد لويس السادس عشر ! وعمل قطبي الفلسفة المثالية إيمانويل كانط وجورج هيغل معلمين للأسر الغنية ليسدوا عوزهم وحاجتهم المادية ! وبقي فولتير وكانط وهيغل نجومًا لامعة حتى تاريخ هذا المنشور !
الفلسفة لاتنشد الأضواء وهي ابنة الشمس ! والفيلسوف لايبحث عن المجد وهو صانع التنوير ! والحكمة لاتباع ولاتعرض بل تنضد في مستقرها الأثير وهي كتب النور والمعرفة ! الفيلسوف والمشتغل بالحكمة لايزيده الثناء إلا تفكرًا ، ولايمنحه الجاه إلا تحليلًا ومراجعة ونقدًا وجدلية ! وحينما تحيد الفلسفة قليلًا لتنشد مقاصد شخصية فإنها تلفظ صاحبها وربما تركله كما فعلت مع ابو حيان التوحيدي ونيكولو ميكافيل !
لن تهب الفلسفة نفسها إلا لمن يكرمها حد الإكرام وما أبسط مطالب الضيافة الفلسفية : قراءة بعقل ، وتساؤل بحب ، ونقد بفهم ، وبعد عن الإغراء والإغواء ،وعزوف عن الظهور الدائم ، وبساطة في المنادمة والمعشر .. والسلام ختام !.






