غريغور سامسا.. بطل الرواية شاب يعيش مع والده الكبير وأمه وأخته غريتا في شقة بسيطة ويعمل مندوب مبيعات في مدينة أخرى مع مدير صارم وقاس لايسمح بالتأخر عن العمل ويبادر بالحسم لأتفه الأسباب ! ولأن العائلة بالكامل تقوم على جهد وكدح غريغور فإن التزامه بقطار الخامسة صباحًا ضروري جدًا للحاق بالعمل !
في ذلك الصباح استيقظ غريغور ليجد نفسه وقد تحول لحشرة ضخمة لاتقوى على النهوض من الفراش لدقة أرجلها وصلابة صدفة ظهرها !، تأخر في النهوض فاجتمعت الأسرة عند بابه لتوقظه لئلا يتأخر عن الدوام الذي هو مصدر غذائهم وسداد فواتيرهم وباقي متطلبات عيشهم ووصل أثناء ذلك مديره الغاضب من تأخر غير مسؤول وتصرف يوحي بالتكاسل واللامبالاة !
أراد غريغور أن يجيب على طرق الباب وصراخهم فجاء صوته شاحبًا لايشبه صوت الإنسان ! ومع إزدياد الطرق تحامل غريغور على نفسه وذهب لمقبض الباب وعض عليه بأسنانه فأنفتح للأسرة التي ذهلت من حجم تلك الحشرة التي كانت قبل ساعات بشرًا أسمه غريغور !
بدأ الذهول سيد المشهد بعد انفتاح الباب وتراجعت الأقدام خوفًا وتقززًا من هذا المشهد ! وبين دموع الأم وصمت الأخت وهروب المدير من مسرح الحدث والتصاق الأب بالجدار عادت الحشرة أدراجها لداخل الغرفة وأغلقت الباب وانكفأت على نفسها تتأمل جسدها الجديد تارة وتحزن لرحيل شكلها كبشر تارة أخرى !
أصبح وجود غريغور المرسوم بذاكرة الأسرة كشاب مجتهد ونافع ومصدر أمان مالي ليس أكثر من حشرة مقززة يجب التخلص منها ! كانت الأسرة تعطي غريغور بقايا فتات الجبنة القديمة بينما تختبيء تلك الحشرة تحت الأريكة في ركن الغرفة ! بحثت الأسرة عن مستأجر لأحد الغرف وأخذت أثاث غريغور لتضعه في الغرفة الجديدة للمستأجرين الجدد ! وفي أحد الأماسي بينما كانت أخته غريتا تعزف للمستأجرين الجدد حنّ غريغور لإنسانيته ففتح الباب برفق ليستمع لعزف أخته فرآه المستاجرون وفزعوا وغادروا البيت مما ضاعف من الأزمة المالية للأسرة ! تناول الأب الغاضب تفاحة كانت بيده وقذف بها غريغور ” الحشرة ” لينغرز جزء منها في ظهره وتتفاقم معاناته الصحية بسببها وهو منكفيء على نفسه عدة أيام تحت الأريكة حتى مات !
انتهت القصة وياله من درس فلسفي عظيم قدمه كافكا للعالم من خلال جملة بسيطة مفادها ” تنتهي قيمتك يا أنسان حينما تنتهي فائدتك ونفعك” ! غريغور سامسا الشاب الذي قضى شبابه يخدم أسرته ويعولهم ويتحمل المصاعب والسفر والوقوف بالشوارع والمحلات كممثل مبيعات لم يعد سوى حشرة في أعينهم يجب أن تموت بقطعة تفاحة !
غريغور النافع أصبح محرومًا من أقل حقوق الإنسان القديم ! طعامه جبن متعفن ! سريره طرف سجادة بالية تحت أريكة قديمة في مستودع مليء بالأتربة! غريغور لم يعد له أم تحنو عليه ولا أب يباهي به ولا اخت تقدر صحبته ونشأتهما سويًا ! غريغور ليس أكثر من مجرد حشرة ضارة ومفزعة ومقرفة !
غريغور الحشرة هو غريغور الذي لايقدم النفع تمامًا مثلما كان يقدمه وهو غريغور الإنسان ! المشهد يتكلم ويقول أن المحبة والعناية بالنسبة للأسرة – وهي أقرب كيان للفرد – هي مايقدمه أفرادها ، وحينما يذهب النفع وتغيب المصلحة يتحول ذلك الفرد لمجرد حشرة قذرة !
الحياة كما صورها كافكا في هذه الرواية على لسان غريغور مضللة جدًا ! لاتثق بالمديح وأنت في منصبك أو تجارتك أو جاهك ! كله خداع لأن قيمة الإنسان لدى الإنسان هي مايراه بعد زوال منصبه وماله وجاهه ! سينسى الناس جهودك عند أول نقص يرونه منك ! وسيناصبونك العداء بعد أن تصبح مصدرًا للخسارة والعناء مهما كان رصيدك من الخير والفضل كبيرًا ! ببساطة أنت مايراه الناس منك اليوم لا ماكنت عليه بالأمس ! لم تتغير الأعين بل زاوية النظر !
في هروب الأسرة وقتلها لغريغور الحشرة رمزية كبيرة أن التخلي يأتي من القريب قبل البعيد ! والنكران من الخليل قبل العدو ! وهنا تنكشف الحياة في أبشع صورها لتقدم عالم نفعي يقاس فيه المرء يماينفع به غيره لا بما ينتفع به لذاته !
لم يكن كافكا متشائما حينما عبر عن الإنسان والحشرة على لسان غريغور ! كل مافعله أنه لمس طرفًا يخفيه الإنسان بقبح ، وينكره بافتضاح وتبقى الوقائع شاهدة على أن الإنسان صعب المراس ، متشابك النوايا ، لايؤتمن جانبه دومًا ولا يؤخذ على محمل البراءة مطلقًا !.

