المقالات

من راديو القرية إلى “جوهرة جدة”

أول مرة تعرفت فيها على دورة كأس الخليج العربي لكرة القدم، كنت في بلدة الأطاولة بمنطقة الباحة، ذات مساء شتوي، وأنا في المرحلة الابتدائية. كنت أرقب شياه والدتي القليلة ترعي في مزرعتنا، ومعي كتبي أتدارسها، وإلى جواري جهاز راديو صغير يصلني منه صوت المعلق الرياضي متقطعًا؛ أسمعه تارة وينقطع تارة أخرى.

لا أتذكر الآن أي دورة كانت، ولا تفاصيل مبارياتها، لكنني أتذكر أسماء لاعبين كان المعلق يرددها، مثل أحمد عيد وسعيد غراب وجاسم يعقوب وخالد بلان وسهيل سالم وغيرهم.

منذ تلك اللحظة بدأت أتعلق باللعبة، وبدأت مشدودًا، بطبيعة الحال، إلى منتخب بلادي بحكم الهوية والانتماء.
مرت سنوات كثيرة …
وظلت دورة كأس الخليج تمثل عرسًا كرويًا خاصًا لأبناء المنطقة. في ذلك الزمن لم تكن البطولات الكروية تصل إلينا كما تصل اليوم، ولم تكن كرة القدم حاضرة في كل شاشة، ولا كانت أخبارها تنتقل إلينا في اللحظة نفسها. كانت دورة الخليج هي نافذتنا الكبرى على كرة القدم في محيطنا القريب.
وحين تبدأ الدورة، كان شيء من الحياة يتغير.
يتحلق الناس حول أجهزة التلفزيون في المقاهي، ويتحول المقهى إلى مدرج صغير؛ ترتفع الأصوات مع الهجمات، ويعم الصمت عند ضياع الفرص، ثم ينفجر المكان فرحًا مع الهدف.
لم تكن المباريات مجرد تسعين دقيقة.

كانت مناسبة اجتماعية، وموعدًا ينتظره الناس، وحدثًا يخرج من الملعب إلى البيوت والمقاهي والشارع.

بدأت الدورة عام 1970 بأربعة منتخبات، ثم اتسعت مع مرور السنوات حتى أصبحت تضم المنتخبات الخليجية الثمانية: السعودية، والكويت، والعراق، وقطر، والإمارات، والبحرين، وعُمان، واليمن.

واللافت في مسيرة البطولة أن الكويت تتصدر قائمة الأبطال بعشرة ألقاب، لكن تاريخ دورة الخليج لا تختصره أرقام البطولات.. فالأرقام تحفظ من فاز، نعم… لكن الأهم أنها تحفظ حكاية أسرة خليجية تلتقي كل عامين في عيد كروي.

ولهذا لست مع من يرى أن دورة الخليج تجاوزها الزمن، أو أن كأسها لم تعد طموحًا. فهي واحدة من عناوين إقليمنا الواحد الذي نلتف حوله، وموعد نلتقي فيه تحت مظلة رياضية صنعت لنفسها مكانًا خاصًا في الوجدان الخليجي.

وأراها أيضًا ملتقى خليجيًا له ضرورته ورمزيته…
لقد تغيرت كرة القدم كثيرًا منذ انطلاق الدورة.

كبرت الملاعب، وتعددت القنوات، وتطورت وسائل النقل والإعلام، وأصبح بإمكان الإنسان أن يشاهد مباراة تقام في أي مكان من العالم وهو جالس في منزله.

لكن دورة الخليج احتفظت بشيء لا تمنحه البطولات الأخرى بالضرورة: خصوصيتها.

هي بطولة محدودة في عدد منتخباتها مقارنة بكثير من البطولات الكبرى، لكنها كبيرة في رمزيتها.

ولهذا فإن عودتها إلى جدة اليوم ليست مجرد استضافة لمنافسات رياضية، وإنما عودة لواحدة من أكثر البطولات التصاقًا بالذاكرة الخليجية.

ولعل أجمل ما في هذه الدورة أنها كلما عادت، أعادت معها شيئًا من الزمن.

تعيد أسماء اللاعبين الذين أحببناهم، والأهداف التي احتفلنا بها، والمباريات التي اختلفنا حولها، والمقاهي التي ازدحمت بالجماهير، والأصوات التي كانت تجعل من المباراة حدثًا يتجاوز الملعب.
دورة الخليج لم تمت، ولن تنتهي.

وهكذا تصل الدورة إلى جدة، بعد أكثر من نصف قرن من انطلاقها…وتصل معها ذاكرة أجيال كاملة.

أما ذلك الطفل الذي عرفها ذات مساء من صوت راديو صغير في القرية، فقد كبر، لكنه ما زال حين يسمع صوت المعلق يشعر بشيء من ذلك الحنين القديم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى