المقالات

عندما احتفل الوطن ..ماتت أمي

ماتت أمي.. والوطن يحتفل
ماتت أمي.. والشوارع خضراء.
ماتت أمي.. والأعلام ترفرف، والأغاني تصدح: “دام عزك يا وطن”
وأنا في زاوية البيت، أبحث عن عزائي، فلا أجد إلا صوت أمي وهو يردد دعاءها الأخير: “الله يعز بلادنا”
توفيت أمي قبل اليوم الوطني بيومين، وكان عزاؤنا في اليوم الوطني نفسه.
أي مفارقة موجعة هذه؟
الناس تلبس الجديد فرحاً، ونحن نلبس السواد حزناً.
الناس تتبادل التهاني، ونحن نستقبل التعازي.
الوطن كله يقول: افرحوا..
وقلوبنا تقول: ادعوا لأمي.
أتصفح منصة x، واراقب احتفالات الوطن، والناس يكتبون: “هذا يوم الفخر”
وانا اردد في نفسي: وأنا اليوم فخورة بأمي أكثر من أي وقت. فخورة أن الله اختار لها هذا التوقيت ليذكرني أن الأوطان نوعان: وطن كبير اسمه السعودية، نحبه ونفديه، ووطن صغير اسمه “أمي” أسكن فيه وحدي.
أمي كانت تحب هذا اليوم حباً غريباً. تضع العلم بجوارها، وتقول: “احمدوا ربكم على نعمة الأمان”. لم تكن تعلم أن أمانها هي سينتهي قبل هذا الأمان بيوم، وأننا سنودعها في نفس اليوم الذي تعلمت أن نحمد الله فيه.
عزاء أمي في اليوم الوطني لم يكن عزاءً عادياً.
كان درساً.
علمني أن الحياة تمضي، أن الوطن سيحتفل حتى لو توقف قلبي، وأن هذا هو لطف الله. فلو حزنت وحدي، لمت حزناً. لكن حين رأيت وطني كله يفرح، شعرت أن هناك من يحمل عني ثقل هذا اليوم. كأن الوطن يقول لي: “ابكِ أمكِ، ونحن نحتفل لأجلها ولأجلكِ.”
رحم الله أمي.
امرأة بسيطة، ماتت في يوم غير بسيط.
ماتت والوطن يرتدي أجمل حلله، فكأنها عروس زُفت إلى السماء في ليلة عيد.
اللهم إن عزاءها كان في يوم عز وطنها، فاجعل ذلك عزاً لها في قبرها.
اللهم احفظ وطني، وارحم أمي، واجعلني ابنة بارة بوطنها وبأمها حتى ألقاها.
إلى أمي التي رحلت والوطن يحتفل.. ستبقين احتفالي الخاص كل عام.
• ابنة الوطن

أ.د. نهلة بنت محمود قهوجي

أستاذ تربية الطفولة المبكرة - جامعة الملك عبدالعزيز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى