التواءٌ بمفصل القدم ألْزمني إقامةً إجباريةً في منزلي، جاء ذلك بعد رحلةٍ أديتُ فيها مناسك العمرة، تبعها – كالعادة – تعاهدُ ذكرياتي القديمة في جدة، طفتُ جدة التاريخية مشيًا؛ جيئةً وذهابًا، وبكيتُ على أطلال ذكرياتي التي كانت فيها، وعلى شيءٍ من صورٍ قديمةٍ جسّدتها الشوارع والأزقة والمساجد التاريخية الأثيرة. عكفتُ راجعًا إلى أبها، وصلتُ منزلي وأنا في قمة الإعياء والتعب، وأيقنتُ عند ملامسة قدمي الأرض بعد رحلة العودة أن قدمي اليسرى ليست على ما يرام!
بدأت بعدها رحلتي مع تلك الآلام والمسكنات، ومع تزايد الألم بدأت رحلتي في البحث عن العلاج. تواصلتُ مع الطبيب الأول، وهو بارع في تخصصه، حدّد لي موعدًا بعد يومين، وبالفعل ذهبتُ إلى عيادته فلم أجده، فقد كان في مهمةٍ إسعافيةٍ مستعجلة !.
صعبت عليّ نفسي عندما لم أجده ، وتجاسرتُ على قدمي وألمي، ثم يممتُ وجهي صوب طبيبٍ آخر في مرفقٍ صحيٍّ خاص، وبالفعل تم الكشف والتشخيص، ورأى أنه من الضرورة بمكان أن يراني طبيبٌ في تخصصٍ آخر!
تواصلتُ مع طبيبٍ ثانٍ كان في قمة الخلق والطيبة والإحسان، سألني عبر الهاتف عدة أسئلة، ولمهارته وخبرته وحذاقته، فقد عرف ملامح تشخيص الحالة من سردي القصصي، وضرب لي موعدًا في المشفى الذي يعمل فيه.
بالساعة والدقيقة كنتُ عند هذا الطبيب الفذ، الذي كان في غاية الطيبة والإحسان، رغم عمره الصغير نسبيًا. كان محترفًا في طريقة كشفه وأسئلته، وكانت كل تلك العملية مؤطَّرة بإنسانيةٍ عظيمة، عكستها كلماته ونصائحه ومداخلاته.
كتب لي الدواء وانصرفتُ بشعورٍ جميل، جسد بعض هذا الشعور الفرق بين الطبيب الأول الذي لم أجده، وطبيبي الآخر الذي كان في قمة الحضور و الوعي و الإدراك .
لا ألوم الطبيب الأول الذي لم أجده بقدر ما ألوم ردة فعله بعد أن علم أنني قد جئته ولم أجده! فلم يحرك ساكنًا، ولم يُسكن متحركًا في نفسي من كثرة ظنوني وشكوكي في أنه قد تجاهلني؛ علمًا بأن لديه أعدادًا كبيرةً من المرضى، كونه ماهرًا في تخصصه وبارعًا في أداء عمله، وهذا قد يجعله عندي وعند الآخرين في مساحة لا بأس منها من العذر ليعذر، أما الطبيب الثاني فقد كان المرضى على باب عيادته وحدانا وزرافات؛ كالمورد العذب كثير الزحام، لأن إنسانيته هي سمته، وهي من تسبق صفته كطبيب يداوي مرضاه ، وهنا يكمن الفارق في التعامل الإنساني بين طبيب وآخر، وذلك ما يبحث عنه المريض ليساعده على التعافي من آلامه، والعودة إلى كامل عافيته بإذن الله.
مهنة الطبيب مهنة شاقة ،يكفي من عنائها أن صاحبها يتعامل مع مريض ، وحسبك من هذا الوصف وهذه الصفة أن صاحبها يكون في أضعف حالاته الإنسانية وهنا قد يبدر منه بعض التصرفات المستغربة ولكنها تأتي في سياق تلك المعاناة التي تحيل الإنسان إلى شخص ضعيف يبحث عن المساعدة ليتجاوز تلك الالام و الصعوبات وهنا تكمن حرفية الطبيب الذي يفعل الجوانب الانسانية في شخصه ومن ثم يبحث عنها في مريضه ليزيد من المشتركات التي تسهم في نجاح العملية العلاجية و سرعة إنجازها .
وماذا بعد أيها السادة النجباء أقول لطبيبي الأول الذي لم أجده : سامحك الله فلن أعود إليك ثانية ، ولطبيبي الثاني: هنيئًا لك القبول ؛ فالجميع يشكرك، ومرضاك يثنون عليك، وسمعتك تسبقك، كيف لا وأنت الذي اختزلتَ الطبَّ في إنسانيتك، وجسّدتَ الحنان في فضلك وإحسانك، وكنتَ فوق هذا بارعًا في مجالك، يشار إليك بالبنان وهذا ليس بمستغرب من الطيبين كما قال الشاعر الشعبي في بيته الشهير :(ماهو غريب الطيب من منبع الطيب : اشلون نستغرب من الغيمه أمطار ؟!)
