المقالات

في مجلس الملك عبد العزيز… شهادة من الذاكرة

في الذاكرة الإنسانية لحظاتٌ لا تُنسى؛ لأنها لا تحفظ صورة الأشخاص فحسب، بل تكشف شيئاً من معدنهم، وطريقتهم في التعامل مع الناس، وهيبتهم التي لا تحتاج إلى حواجز أو مظاهر. ومن أجمل الشهادات التي حفظتها لنا الذاكرة شهادة الشيخ علي الطنطاوي عن لقائه الأول بالملك عبد العزيز – رحمه الله – في مكة المكرمة، وهي شهادة ترسم صورة إنسانية قريبة للملك المؤسس، بعيداً عن الرسميات والتكلف.

يروي الطنطاوي أن لقاءه الأول بالملك عبد العزيز كان في قصر «دار البياضية» بمكة، وهو بيت واسع لم يكن في فخامته أشبه بالقصور الملكية التي عرفها الناس لاحقاً. وكان الطنطاوي يخشى مثل هذه اللقاءات؛ إذ كان يرى أن مخاطبة جمهور كبير من فوق المنبر أهون عليه من دخول مجلس لا يعرف أهله معرفة ترفع الكلفة وتزيل الوحشة. غير أن معرفته السابقة بالملك، ومراسلاته معه في قضايا تهم الناس، جعلت اللقاء أيسر مما توقع.

ويصف الطنطاوي مجلس الملك بأنه كان مفتوحاً للناس، يحضره العلماء والوجهاء وأهل البادية، وتُقرأ فيه كتب التفسير وتُناقش المسائل العلمية والدينية. وكان الملك يستمع إلى ما يُقرأ، ويشارك أحياناً بالتعليق، كما كان يناقش من يخالفه الرأي، فيعرض حججه مرتبة، ويستند إلى ما يحفظه من الأحاديث وأقوال العلماء. وهكذا بدا المجلس مزيجاً من هيبة الحكم وألفة المجالس العربية.

ومن أكثر ما لفت نظر الطنطاوي في ذلك المجلس بساطة العلاقة بين الملك والناس؛ فلم تكن هناك حواجز ثقيلة تحول دون وصول أصحاب الشكاوى إليه. وكان بعض أهل البادية يخاطبونه باسمه «يا عبد العزيز»، فيتقبل ذلك بسعة صدر، وهي صورة رأى الطنطاوي أنها امتداد لطبيعة المجالس العربية القديمة، حيث كان الحاكم قريباً من الناس، يسمع شكواهم ويوجههم إلى الشرع والقضاء حين يكون ذلك هو الطريق المناسب.

حتى مائدة الطعام لم تكن محكومة بالبروتوكول؛ كان الطعام يقدم على سماط مبسوط، ويقوم من شبع ويجلس مكانه غيره، بينما لا يقوم الملك حتى يطمئن إلى أن الحاضرين قد شبعوا. ويروي الطنطاوي أيضاً أنه كان يرى أبناء الملك يجلسون وفق ترتيب أعمارهم، في صورة تكشف عن النظام الذي كان يسود المجلس، مع بقاء ملامح الحياة الاجتماعية البسيطة حاضرة.

لكن الطنطاوي لم يقف عند وصف المجلس؛ فقد انتقل إلى وصف شخصية الملك نفسها، فرأى فيه ذكاءً فطرياً، وسرعةً في الفهم والإفهام، وقدرةً على اختصار المعاني الكبيرة في عبارات قليلة. ووصفه بأنه كان يعرف متى يلين ومتى يشتد، وأن لديه قدرة على معرفة الرجال وتمييز طباعهم. ومن خلال هذه الصفات رأى الطنطاوي أمامه شخصية قيادية ذات حضور استثنائي.

إن قيمة هذه الشهادة لا تكمن في كونها وصفاً لمجلس ملك فحسب، بل في أنها تفتح نافذة على زمن كانت فيه الدولة تتشكل، وكانت شخصية الملك عبد العزيز حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، بين العلماء والناس والضيوف وأصحاب الحاجات. ولعل أجمل ما في شهادة الطنطاوي أنها لا تقدم لنا الملك من وراء المراسم، بل من داخل مجلسه؛ حيث تبدو الهيبة إلى جوار البساطة، والحزم إلى جانب التواضع، والقيادة في صورتها الإنسانية القريبة من الناس.

وهكذا تبقى شهادات من عاشوا تلك المرحلة كنوزاً من الذاكرة؛ فهي لا تكتفي بتسجيل التاريخ، بل تمنحه صوتاً وملامح ومشاهد حية. وفي شهادة علي الطنطاوي نرى جانباً من شخصية الملك عبد العزيز كما رآها رجلٌ عايشه عن قرب: قائداً يستمع، ويناقش، ويبتسم، ويأكل مع ضيوفه، ويترك في نفوس من حوله أثراً يتجاوز حدود المجلس إلى صفحات التاريخ.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى