كتاب الرأي

متاحف تعليمية لتاريخ التعليم مدرسة مسلمة بن عبدالملك الابتدائية في خميس مشيط أنموذجاً

لو تأملنا تلك الروح الوثابة التي دفعها طموح العلم لتحقيق المستحيل بتوفيق الله. إنها ليست مجرد كلمات تقال بل هي حقيقة عاشها وطن بأكمله. فبعد أن وضع الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه لبنة الوحدة انطلق ليحقق حلماً عظيماً ويواجه (الثلاثي المؤرق) لأي مجتمع الجهل والفقر والمرض. ولم يكن سلاحه في هذه المعركة المصيرية سوى التعليم فانطلقت رحلته بقوة وعزيمة في أرجاء وطننا المعطاء. ولذلك نجد في كل منطقة وفي كل محافظة من هذا الوطن العزيز تقف مدرسة قديمة جسدت أجمل البدايات واتخذت أعظم الخطوات لتحقيق هذا الحلم. لكل مدرسة من هذه المدارس حكاياتها الجميلة وذكرياتها المؤثرة وأجيالها الرائعة التي تعاقبت على مقاعدها. ومعظم تلك المدارس كان في بيوت طينية. ومدرسة (مسلمة بن عبدالملك) والتي عرفت (بالمدرسة السعودية سابقاً) في محافظة خميس مشيط تمثل إحدى هذه النماذج المشرقة. حينما عدت قبل فترة إلى مدرستي الأولى مسلمة بن عبدالملك لم أجد مجرد مبنى حكومي أُنشئ عام 1359هـ بل وجدت صرحاً كان يعد في وقته من أحدث وأميز الأبنية ولا يزال حتى يومنا هذا يحتفظ برونقه وهيبته وجماله. مشيت في أروقته فغمرتني مشاعر الفخر والاعتزاز ومرت أمام عيني مشاهد (انطلاقة سفينتي الدراسية). توقفت طويلاً أمام المسرح المدرسي الذي وقفت عليه طفلاً صغيراً ليلقي كلمة في حفل (مجلس الآباء) في تلك الفترة. كم كانت تلك اللحظة بذرة مباركة صنعت ما أنا عليه اليوم وكم كانت تلك الجدران شاهداً على جهود إداريين متميزين ومعلمين أكفاء أعطوا من أعمارهم ووقتهم رحم الله من توفي منهم وبارك في أعمار الأحياء.
ولم تكن هذه المدرسة مجرد مكان للدراسة فحسب بل كانت حاضنة للرجال. فقد تخرج منها أعداد كبيرة من الطلاب أصبحوا اليوم قادة وأكاديميين وأطباء ومهندسين وطيارين وضباطاً ورجال أعمال وغيرهم ممن ساهموا في مسيرة التنمية. هؤلاء جميعاً هم ثمار تلك الروح الوثابة التي غرسها المعلمون الأوائل وتلك الأدوار التي لعبتها المدارس الأولية في القضاء على الجهل.
إن هذه المدارس التي شهدت بداياتنا وشهدت انتصار الوطن على الثلاثي المؤرق لا ينبغي أن تظل مجرد ذكريات في عقولنا فحسب بل لعلها تصبح متاحف تعليمية تحفظ تاريخ التعليم في كل محافظة. ومتحف مسلمة بن عبدالملك سيجسد هذا التاريخ ويسجل كثيراً من الانطباعات والذكريات ويروي للناشئة كيف كانت البدايات وكيف تحولت الإمكانات إلى إنجازات. وفي تصوري فإن هذا التوجه يترجم بشكل عملي ما تؤكد عليه (رؤية 2030) من أهمية بالغة للمتاحف وضرورة الحفاظ على تراثنا وهويتنا وربط الماضي بالمستقبل. ومن منطلق حبي لهذا المكان وإيماني بأن كل مدرسة عتيقة في كل محافظة تستحق أن تخلد أضع تصوري ومقترحي الكامل بين يدي وزارة التعليم. وأضع خبرتي وجهدي التطوعي الكامل رهن إشارتهم للمساهمة في إخراج هذه الفكرة إلى النور.
دعونا نجعل من جدران مدارسنا الأولى متاحف حية لتظل الروح الوثابة حاضرة وليتذكر أبناؤنا وأجيالنا القادمة دائماً كيف انتصر الآباء على الجهل والفقر والمرض ليبنوا هذا الوطن العظيم بفضل الله ثم بفضل قيادة حكيمة ورائعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى